حين تتأخر العدالة… يتقدّم الانتقام

0 948

من أهمّ الأسس لبناء دولة جديدة خرجت من حقبة استبداد طويلة وأتون صراع دامٍ هو التعامل مع إرث الماضي بدراسته وتبيان أسبابه ومعالجة الآثار السلبية، ما أمكن، من نتائجه، وكل ذلك لتلافي حدوثه مستقبلاً، وتمّ التعارف على ذلك في العصر الحديث بالعدالة الانتقالية، والتي ترتكز إلى خمسة أعمدة رئيسية:

1- حق الضحايا في الكشف عن الحقيقة.

2- المساءلة والعدالة.

3- إصلاح المؤسسات حتى لا يتكرر أي انحراف في المستقبل.

4- جبر الضرر، ويكون فردياً أو جماعياً.

5- إحياء الذكرى، وذلك لترسيخ هدف عدم تكرارها مستقبلاً.

وتلك الأعمدة الخمسة يتمّ التعامل معها وفق خصوصية البلد والمجتمع المحلي الذي جرت فيه الجرائم والانتهاكات، وبعض الدول التي خاضت التجربة استعانت بالخارج، وقد تكون الأمم المتحدة هي من استعانت بها بعض الدول.

ومسار العدالة الانتقالية هو مسار حقوقي وقانوني واجتماعي وسياسي، ويختلف جذرياً عن المحاكمات المعتادة؛ لأنّ له قوانين أخرى وأهدافاً أبعد من وضع مجرم في السجن.

وطريق العدالة الانتقالية وعر، وفيه حفر ومطبات كثيرة، إضافةً إلى كونه مساراً طويلاً، ويمكننا اعتبار أنّ الحكومة السورية تخشى وعورة السير فيه، وتضع أولى خطواتها على الطريق بحذر، أو بقلق، أو قد ترى أولويات أهمّ منه وأقل خطورة، بل هي قد تكون بدأت به دون أن تقصده بذاته، كإصلاح المؤسسات، وهو العمود الثالث من أعمدة المرحلة الانتقالية، فقد بدأت منذ فجر التحرير بهدم المؤسسات الأمنية والعسكرية والتشريعية، وتعيد بناءها من جديد على أسس لا يمكن أن تُشكّل أيّ مدخل في المستقبل لإعادة حقبة الأسد.

حتى إنّ المجلس التشريعي المفروض أن يسنّ القوانين اللازمة لهذه المرحلة لم ينتهِ تشكيله بعد، ولم يخرج إلى النور، ويرى بعضهم أن إصلاح وزارة العدل، والتي ستقوم بجهد رئيسي في إنجاح المسار، لم تنتهِ إعادة هيكلتها وإصلاحها، وما زال جزء كبير من القضاة الذين عملوا في عهد النظام البائد وشاركوا (بشكل أو بآخر في الانتهاكات والجرائم) موجودين على رأس عملهم، فيما يرى بعضهم أن القوانين السورية (حتى لو تم إصدار تشريعات جديدة تعاقب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب) ليست كافية، ولا بد من محاكمة المتهمين وفق قوانين المحكمة الجنائية الدولية، ولا بد من فصل وزارة العدل عن الإشراف على الملف، وإيكال المهمة إلى هيئة العدالة الانتقالية، والتي يجب تقويتها بحيث تتمكن من تشكيل محاكم خاصة.

تقوم الحكومة السورية الآن باعتقال وتفكيك شبكات الفلول، وتستهدف الضباط والعناصر والشبيحة الكبار الذين بقوا في سوريا، وقامت بجهود ناجحة حين عزلتهم عن أي داعم خارجي، وذلك بإرساء علاقة جديدة مع الروس، وقد يكون طلب الروس من الإيرانيين عدم وضع أي رهان على الفلول، وعدم استفزاز الحكومة السورية وإحراجها للرد على أي دعم إيراني للمتمردين.

يرى بعضهم أنّ الحكومة السورية لا تتقصّد الضغط الكبير والسريع على الفلول، خشية شعورهم بخطر داهم يؤدي بهم إلى التجمع والتنسيق وتشكيل شبكات مقاومة أو الفرار إلى مناطق ما زالت خارج سيطرة الحكومة، وذلك حصل في السابق عند تشديد الضغط، حيث هرب جزء كبير منهم إلى مناطق سيطرة الهجري وانضموا إلى قواته، وكذلك فعل قسم بالذهاب إلى مناطق سيطرة قسد، وما زالوا هناك شرق الفرات، وبالتجربة يروي بعضهم أن حوالي ٦٠٠ من شبيحة حلب فرّوا إلى حي الشيخ مقصود، وهم ممن حاربوا الجيش السوري، كل ذلك يُعتقد أنه أبطأ من ملاحقة الفلول، وهو بالطبع ما يثير حفيظة الحاضنة الشعبية للدولة، حيث ما زال الكثير من الشبيحة طلقاء.

من أسباب الحراك الشعبي الأخير ضد الشبيحة

1- عدم استيعاب جزء كبير ممن شاركوا بالثورة ضمن مؤسسات الدولة الجديدة، وبالتالي فإن ظروفهم المادية وصعوبة الحياة المعيشية تترك أثراً واضحاً على شعورهم بالتهميش وعدم الوفاء لهم.

2- استمرار كثير من الشبيحة في وظائفهم أو ممارسة حياتهم العادية، وعدم مساءلتهم حتى الآن.

3- عدم وجود شفافية في موضوع التسويات الكبرى التي أبرمتها الأجهزة مع كبار الشبيحة والمجرمين، مثل محمد حمشو، وفادي صقر، والمرسومي، ومدلول العزيز، وأخيراً نواف البشير، وغيرهم.

4- ترك السلطة في مواجهة مباشرة مع الجمهور دون وجود حلقات وسيطة أو صمامات أمان، كالأحزاب والنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني، إلخ.

5- عدم البدء جدياً في محاكمة كبار المجرمين، سواء حضورياً للمقبوض عليهم أو غيابياً للفارين، وعلى الأقل بالقوانين السورية المتاحة الآن، وعدم انتظار سنّ تشريعات جديدة.

6- أثار مشهد اندماج عناصر من قسد في مؤسسات الدولة مشاعر الغضب عند الكثير من السوريين، بعد أن عانوا من إرهابهم طويلاً، ويرون الآن معاملة خاصة ومميزة لهم بعد هزيمتهم عسكرياً.

تصرفت الحكومة، كعادتها، بعد حصول الاحتجاجات، بعقد لقاءات مباشرة مع نخب تم اختيارها لشرح موقف الحكومة، وأرى أنّ أسلوب وطريقة اختيار المدعوين يثيران استياءً عارماً عند المحتجين، حيث تتم دعوة نفس الأشخاص باعتبارهم وجهاء ونخباً، ويتم استبعاد الكثيرين حتى من مجرد التشاور، مع أنّ لهم أسبقيات في الثورة.

ويدرك الجميع أنّ دولة القانون تعطي المؤسسات الرسمية حق إصدار الأحكام والعقاب أو العفو والبراءة، وليس أن يُترك الأمر للجمهور الغاضب، وبالتالي ستمنع الدولة أي تحركات مستقبلية يتم استغلالها من المتربصين وأعداء العهد الجديد، ومن المطلوب استمرار الضغط على الحكومة ومساعدتها في حل هذا الملف عبر وسائل سلمية لا تضرّ بصورة وسمعة الدولة، ولا تتيح مجالاً للتراخي في معالجة هذا الملف، خشية أن تتطور الأحداث إلى مآلات لا تُحمد عقباها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني