السوريون في ألمانيا: من طالب للمساعدة إلى شريك في المجتمع (5/5)

0 24

كيف تتحول الخبرة السورية إلى قوة اندماج وبناء؟

لم تعد قصة السوريين في ألمانيا اليوم قصة وصول فقط، ولا قصة انتظار قرار لجوء أو البحث عن سقف آمن بعد سنوات من الخوف. فبعد أكثر من عقد على بداية موجة اللجوء الكبرى، دخلت الجالية السورية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً: مرحلة بناء الدور، وتحديد الموقع داخل المجتمع الألماني، وتحويل تجربة اللجوء من حالة إنسانية مؤقتة إلى مساهمة اجتماعية ومعرفية طويلة الأمد.

خلف هذه التحولات توجد آلاف القصص الفردية، لكن بعضها يكشف صورة أوسع عن مسار مجتمع كامل. ومن بين هذه القصص تجربة بشير علي، الذي انتقل من دراسة الجغرافيا البشرية التي تبحث في علاقة الإنسان بالمكان والهجرة والمجتمعات، إلى العمل اليومي في قلب ملفات اللاجئين والاندماج في ألمانيا.

فالهجرة بالنسبة إليه لم تعد موضوعاً أكاديمياً فقط، بل أصبحت واقعاً يعيشه مع آلاف الأشخاص الذين مروا بتجربة الانتقال من مجتمع إلى آخر، ومن نظام قانوني واجتماعي إلى نظام جديد يحتاج إلى فهم وصبر وقدرة على التكيف.

يقول بشير علي إن السنوات الأولى لوصول السوريين إلى ألمانيا كانت مرحلة مختلفة تماماً؛ مرحلة كان السؤال الأساسي فيها: كيف نفهم النظام الجديد؟ كيف نحصل على الحماية؟ كيف نتعامل مع المؤسسات؟ وكيف نبدأ حياة من الصفر؟

في تلك المرحلة، لم تكن المشكلة فقط في اللغة أو الإجراءات القانونية، بل في غياب المعرفة بتفاصيل الحياة اليومية داخل ألمانيا. فالكثير من اللاجئين لم يكونوا يعرفون الفرق بين المؤسسات، ولا طبيعة الحقوق والواجبات، ولا كيفية التعامل مع الدوائر الرسمية، ولا الطرق المتاحة للدراسة أو التدريب أو العمل.

وهنا برز دور المبادرات الفردية والمجتمعية، ومن بينها النشاط الواسع للسوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت المنصات الرقمية إلى مساحة لنقل المعلومات وتبادل الخبرات ومساعدة القادمين الجدد على تجاوز الصدمة الأولى.

لكن التجربة تغيرت مع مرور الوقت.

اليوم، لم يعد التحدي الأساسي هو الوصول إلى المعلومة الأولى، بل أصبح مرتبطاً بمرحلة أكثر عمقاً: كيف يتحول السوري من شخص يتلقى الدعم إلى شخص يشارك في المجتمع؟ كيف ينتقل من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الاستقلال؟ وكيف يبني موقعاً مهنياً واجتماعياً مستقراً؟

من خلال عمله مع المؤسسات الألمانية ومتابعته لآلاف الحالات، يرى بشير علي أن الاندماج الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الحصول على الإقامة أو تعلم اللغة، بل عبر فهم طريقة عمل المجتمع الألماني ومؤسساته.

ويؤكد أن ألمانيا تمتلك بنية مؤسساتية واسعة تساعد اللاجئين، من دورات اللغة والاندماج، إلى مراكز الاستشارة، وبرامج التدريب المهني، ودعم تعديل الشهادات والمؤهلات. لكن التحدي يكمن أحياناً في تعدد الجهات، ما يجعل بعض اللاجئين يشعرون بالضياع بين المؤسسات المختلفة.

فالمشكلة ليست دائماً غياب الخدمات، بل صعوبة الوصول إليها بالطريقة الصحيحة.

ومن هنا تأتي أهمية دور الأشخاص الذين يعملون في مجال المرافقة والإرشاد، لأنهم لا يقدمون معلومة فقط، بل يساعدون الإنسان على فهم الطريق الذي يسلكه داخل النظام الجديد.

ويرى بشير علي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير في طريقة النظر إلى الجالية السورية في ألمانيا. فالسوريون لم يعودوا فقط مجموعة تحتاج إلى الاندماج، بل أصبح بينهم أطباء ومهندسون وحرفيون وطلاب وباحثون وأصحاب مشاريع، ويمكن أن يشكلوا طاقة بشرية مهمة للمجتمع الألماني ولسوريا المستقبلية في الوقت نفسه.

لكن هذا الدور يحتاج إلى تنظيم.

فالخبرات الموجودة في الخارج لا يمكن أن تتحول إلى تأثير حقيقي من خلال المبادرات الفردية فقط، بل تحتاج إلى شبكات ومؤسسات ومشاريع طويلة الأمد تربط بين الكفاءات السورية والمجتمعات التي يعيشون فيها.

وهنا تظهر أهمية الجيل الجديد الذي نشأ أو كبر في ألمانيا. فهذا الجيل يعيش بين فضاءين: جذوره السورية وواقعه الألماني. والتحدي الأساسي ليس الاختيار بين الهويتين، بل القدرة على بناء شخصية تجمع بين الانتماء الثقافي والاندماج المجتمعي.

ويؤكد بشير علي أن الأسرة والمدرسة والمؤسسات تلعب أدواراً متكاملة في هذا المجال. فالأسرة تحافظ على اللغة والذاكرة والانتماء، بينما تفتح المدرسة الطريق أمام المجتمع والتعليم والعمل، وتساعد المؤسسات على تقديم الدعم والإرشاد.

لكن المستقبل، بحسب رؤيته، لن يُبنى فقط عبر الحفاظ على الهوية، بل عبر امتلاك أدوات المشاركة: اللغة، التعليم، التدريب، العمل، والمعرفة بالقوانين.

ومن هذا المنطلق، تأتي أهمية مشروعه الأكاديمي حول “اللاجئين في ألمانيا: التصورات والخطط المستقبلية للمهاجرين السوريين والسوريات في ألمانيا”، لأنه يحاول الربط بين الخبرة الميدانية والبحث العلمي، وبين القصص الفردية والصورة الاجتماعية الأوسع.

فالهجرة ليست فقط أرقاماً في التقارير، بل تجارب بشرية تشكل مستقبل المجتمعات.

بعد أكثر من عقد، يبدو أن السؤال لم يعد: هل يستطيع السوريون البقاء في ألمانيا؟ بل أصبح: كيف سيكون شكل هذا الحضور؟ وهل ستتحول الجالية السورية من مجتمع خرج من الحرب بحثاً عن الأمان إلى قوة معرفية ومهنية قادرة على بناء جسور بين ألمانيا وسوريا؟

فالسنوات القادمة ستكشف إن كانت تجربة اللجوء السوري ستبقى قصة نجاة فقط، أم أنها ستتحول إلى قصة مشاركة وتأثير وصناعة مستقبل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني