
التوغلات الإسرائيلية في سوريا.. عامان من الوجود العسكري تحت اختبار القانون الدولي
لم تعد التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مجرد عمليات محدودة قرب خطوط الفصل. فخلال أقل من عامين، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مئات عمليات الدخول البري، إلى جانب احتجازات وقتلى وغارات وأضرار طالت ممتلكات ومنشآت مدنية، في نمط تقول إنه يثير أسئلة متزايدة حول طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا وحدود ما يفرضه القانون الدولي على القوة القائمة بالسيطرة الفعلية.
وبحسب توثيق نشرته الشبكة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026، سُجل ما لا يقل عن 453 توغلاً برياً، و69 قتيلاً، و162 حالة احتجاز تعسفي خلال الفترة الممتدة من 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وتركزت غالبية عمليات التوغل في القنيطرة ودرعا، وبدرجة أقل في ريف دمشق. وتقول الشبكة إن الأرقام تمثل حداً أدنى موثقاً، استناداً إلى قاعدة بياناتها والرصد الميداني وشهادات الشهود والمصادر المفتوحة والرسمية.
من خط الفصل إلى القرى والبلدات:
تكشف حصيلة التقرير عن تغير في طبيعة العمليات الميدانية. فبحسب الشبكة، انتقلت التوغلات من وقائع محدودة قرب خطوط الفصل إلى دخول متكرر إلى قرى وبلدات مأهولة، ترافق في حالات موثقة مع إطلاق نار وقصف ومداهمات للمنازل واحتجاز أشخاص وإلحاق أضرار بممتلكات مدنية.
كما وثقت الشبكة اعتداءات طالت عاملين في الإعلام والطب والعمل الإنساني، بينهم أفراد من طواقم الهلال الأحمر العربي السوري.
وسجل التقرير 22 حادثة أثرت في مراكز ومنشآت مدنية حيوية، بينها مدرسة ومسجد. ومن بين الوقائع التي أوردها اقتحام مدرسة في قرية الحرية بريف القنيطرة الشمالي وتخريبها في 15 حزيران/يونيو 2025، وإلحاق أضرار بمسجد الرحمن في بيت جن بريف دمشق إثر قصف إسرائيلي أعقب توغلاً في 28 تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه.
وفي القنيطرة، وثقت الشبكة هدم ما لا يقل عن 15 منزلاً مدنياً عقب توغل في قرية الحميدية، إضافة إلى أعمال تجريف واسعة في محمية جباتا الخشب الطبيعية، ورش أراضٍ رعوية بمادة لم تتمكن من تحديد ماهيتها.
وفي أحدث الوقائع التي أوردها التقرير، رُصد في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026 استئناف أعمال تجريف غربي قرية العشة وبلدة الرفيد عند ما يعرف بمشروع خط «سوفا 53».
قتلى في التوغلات والغارات:
لا تقتصر الحصيلة التي وثقتها الشبكة على ضحايا التوغلات البرية، إذ قسمت القتلى بحسب سياق وقوع الحوادث، وشملت مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وثلاث نساء، وأشخاصاً قتلوا في سياق اشتباكات، وعناصر من قوات وزارتي الدفاع والداخلية قتلوا في غارات جوية.
ومن إجمالي 69 قتيلاً، وثقت الشبكة مقتل شخص جراء إطلاق نار مصدره إحدى النقاط العسكرية الإسرائيلية في القنيطرة، إضافة إلى 29 شخصاً خلال عمليات التوغل البري والقصف الجوي والأرضي المرتبط بها.
كما سجلت بصورة منفصلة 39 قتيلاً في غارات جوية: 25 في السويداء، وستة في ريف دمشق، وثلاثة في دمشق، وثلاثة في درعا، واثنان في القنيطرة.
وتقول الشبكة إن حصيلة السويداء ارتبطت بالهجمات التي وقعت في سياق التوترات التي شهدتها المحافظة خلال عام 2025.
كما وثقت الشبكة، إلى جانب ذلك، مئات الغارات الجوية في دمشق وريف دمشق وحماة واللاذقية وحمص وطرطوس والسويداء وإدلب.
ومن أبرز الوقائع التي أوردها التقرير نحو 16 ضربة استهدفت مطار حماة العسكري في 2 نيسان/أبريل 2025، قالت الشبكة إنها أدت إلى تدمير ما لا يقل عن عشر طائرات، وضربة قرب القصر الرئاسي في دمشق في 2 أيار/مايو، وغارات استهدفت مبنى قيادة الأركان العامة في ساحة الأمويين في 16 تموز/يوليو، وأسفرت، وفق الشبكة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 34 آخرين على الأقل.
162 حالة احتجاز ومصير 35 شخصاً مجهول:
يمثل الاحتجاز أحد أبرز الملفات التي يوثقها التقرير. فقد سجلت الشبكة 162 حالة احتجاز تعسفي، بينها 20 طفلاً وعامل إعلامي واحد.
وأفادت بأن 127 شخصاً أُفرج عنهم، بينما لا يزال مصير 35 شخصاً مجهولاً لديها ولدى ذويهم. وتوزعت الحالات بين القنيطرة بـ115 حالة، ودرعا بـ37، وريف دمشق بـ10 حالات.
وبحسب التقرير، نُقل عدد من المحتجزين إلى مواقع أو نقاط عسكرية إسرائيلية أو إلى الجولان السوري المحتل، وأُفرج لاحقاً عن نسبة كبيرة منهم من دون توجيه اتهامات أو اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم، بينما ظل مصير آخرين مجهولاً لفترات متفاوتة.
ومن الحالات التي أوردتها الشبكة اعتقال محمد مروان قريان من منزله في الدواية الكبيرة بريف القنيطرة فجر 28 نيسان/أبريل 2025. وقالت إن أسرته حصلت لاحقاً، عبر منظمة «هموكيد»، على معلومات تفيد بأنه كان محتجزاً في سجن نفحة.
وفي حالة أخرى، قالت الشبكة إن شادي قاسم زينة، الذي لم يكن قد بلغ 18 عاماً، فقد أثره في 29 تموز/يوليو 2025 بعد خروجه من منزله في كناكر بريف دمشق، وإن محتجزاً أُفرج عنه لاحقاً أبلغ أسرته بأنه كان محتجزاً معه ورآه في سجن عوفر.
وتستند هذه الوقائع، بحسب التقرير، إلى إفادات ومصادر وثقتها الشبكة، ولا تعني بحد ذاتها صدور أحكام قضائية بشأنها.
الوجود العسكري يتجاوز الحادثة المنفردة:
إلى جانب التوثيق الميداني، يرصد التقرير ما تعتبره الشبكة مؤشرات على اتجاه نحو تكريس الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، مستندة إلى تصريحات وخطوات رسمية إسرائيلية.
ويشير التقرير إلى زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، برفقة مسؤولين وضباط إسرائيليين، إلى مواقع عسكرية أقامتها إسرائيل داخل سوريا، وإلى تصريحات بشأن استمرار انتشار القوات في تلك المواقع.
وفي 25 آب/أغسطس 2026، أشار التقرير إلى تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي بقاء القوات الإسرائيلية منتشرة في مواقع داخل الأراضي السورية.
ويصف فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، هذا المسار بأنه نمط متصاعد من التوغلات والوجود العسكري والهجمات والاحتجازات والإضرار بممتلكات المدنيين وسبل عيشهم.
وهذا توصيف وموقف صادر عن الشبكة، وليس حكماً قضائياً مستقلاً بشأن المسؤولية القانونية عن الوقائع.
أين يبدأ قانون الاحتلال؟
ينتقل التقرير من التوثيق إلى التقييم القانوني عند بحث طبيعة الوجود الإسرائيلي في بعض المناطق السورية.
وتقول الشبكة إنه عندما تقيم القوات الإسرائيلية سيطرة فعلية على جزء من الأراضي السورية وتكون قادرة على ممارسة هذه السيطرة، ينطبق قانون الاحتلال ضمن حدود تلك السيطرة، مستندة إلى المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وإلى اجتهادات محكمة العدل الدولية.
وبحسب هذا التقييم، تترتب على القوة القائمة بالاحتلال التزامات تجاه السكان المدنيين، فيما تخضع العمليات العسكرية لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط.
كما يثير نقل الأشخاص المحميين من مناطق خاضعة للاحتلال مسائل مرتبطة بالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، مع ضرورة تقييم كل حالة في ضوء ظروفها ووقائعها.
وفي الحالات التي يُحرم فيها شخص من حريته ثم يُنكر احتجازه أو يُخفى مصيره ومكان وجوده، ترى الشبكة أن الواقعة الفردية قد تستوفي، بحسب ظروفها، تعريف الاختفاء القسري الوارد في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
اتفاق 1974 واختبار السيادة:
ولا ينفصل هذا الجدل عن اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974. فبحسب الأمم المتحدة، تخضع منطقة الفصل لترتيبات خاصة، ولا يُسمح بوجود قوات عسكرية فيها، باستثناء قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك.
وكانت القوة الأممية قد أعلنت في كانون الأول/ديسمبر 2024 أن وجود القوات الإسرائيلية في عدة مواقع داخل منطقة الفصل يمثل انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك.
وتقول الشبكة إن النمط الذي وثقته وقع من دون موافقة سورية أو تفويض من مجلس الأمن، وترى أن الوقائع المتاحة لا توفر أساساً كافياً للاستناد إلى استثناء الدفاع عن النفس لتبرير هذا النمط الممتد من العمليات.
وبناءً على تقييمها، تعتبر الشبكة أن هذا السلوك لا يتوافق مع حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة، ولا مع مبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.
بين الأمن وفرض الأمر الواقع:
تربط إسرائيل عملياتها العسكرية باعتبارات أمنية، لكن التقرير يركز على ما يعتبره تحولاً من عمليات محدودة إلى وجود عسكري متكرر ومواقع ثابتة وتوغلات داخل مناطق مأهولة.
وهنا تبرز القضية الأوسع: متى يتحول إجراء عسكري يقدم بوصفه أمنياً أو مؤقتاً إلى واقع ميداني طويل الأمد يغير طبيعة العلاقة بين القوة الموجودة والسكان المحليين؟
بالنسبة إلى الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا ينبغي أن تتحول الاعتبارات الأمنية إلى أساس لتكريس وجود عسكري داخل أراضي دولة أخرى أو لتجاوز قواعد حماية المدنيين.
وتطالب الشبكة بوقف التوغلات والوجود العسكري في المواقع التي أقيمت حديثاً، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً والكشف عن مصير من لا يزالون مجهولي المكان، كما تدعو الحكومة السورية إلى تعزيز حماية المدنيين ومواصلة التوثيق.
وتطالب كذلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن وقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك بتكثيف الرصد والإبلاغ، فيما تدعو آليات التحقيق والمساءلة الدولية إلى حفظ الأدلة تمهيداً لاستخدامها في إجراءات قضائية مستقبلية.
لكن بعد تسجيل 453 توغلاً خلال الفترة التي يغطيها التقرير، لا يعود السؤال مقتصراً على عدد الحوادث أو الضحايا. السؤال الأوسع هو ما إذا كان المجتمع الدولي سيتعامل مع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية باعتباره سلسلة من الوقائع المؤقتة، أم باعتباره واقعاً ميدانياً متراكماً يحتاج إلى معالجة سياسية وقانونية واضحة.
فمع مرور الوقت، لا يصبح التحدي فقط في توثيق ما يحدث، بل في منع تحول الوقائع المتكررة إلى أمر واقع دائم، وضمان ألا تصبح حماية المدنيين وسيادة سوريا والقواعد التي تحكم استخدام القوة في النزاعات رهينةً لميزان القوة على الأرض.