الأمن المائي في الجزيرة السورية.. من عقود التعطيل والتأميم إلى الحوكمة التنموية والنهوض الاستراتيجي

0 4

تُمثّل الجزيرة الفراتية، الممتدة بين سرير نهر الفرات جنوباً وغرباً والشريط المشاطئ لنهر دجلة شمالاً وشرقاً بطول خمسين كيلومتراً، الرافعة الاقتصادية والسلة الغذائية والمائية الأهم لسوريا. غير أن هذه الرقعة الجغرافية التاريخية ترزح اليوم تحت وطأة أزمة مائية متفاقمة باتت تهدد بنيتها الاجتماعية والاقتصادية. ولا تقتصر هذه الأزمة على ظاهرة الجفاف المناخي وتراجع معدلات الهطول، ولا على التحكم الجيوسياسي لدول المنبع واستكمال السدود الإقليمية في الفترة السابقة، بل تعكس خللاً هيكلياً أعمق يتمثل في البيروقراطية الإدارية المترهلة وتهالك البنية التحتية؛ إن هذا الواقع يجعل من إعادة هندسة سياسات الأمن المائي والغذائي ضرورة استراتيجية مصيرية لا تحتمل التأجيل.

نقد واقع الحوكمة والتقصير الهيكلي

تتجلى المعضلة الحقيقية في الجزيرة الفراتية ضمن فصام إداري حاد استمر لعقود؛ إذ تُدار مواردها المائية الحيوية وخططها الزراعية التفصيلية عبر دواوين ومؤسسات مركزية تبعد مئات الكيلومترات في العاصمة، بعيدةً سياقياً وجغرافياً عن ديناميكيات الميدان واحتياجاته الفورية. هذا التصلب المركزي المفرط حرم المنطقة من الاستجابة السريعة لأزمات الجفاف المتلاحقة، وترافق مع قصور واضح في بسط سيادة تنموية وخدمية فعلية تمنع الاستجرار العشوائي وتحمي المخزون الجوفي الاستراتيجي من الإفلاس المائي.

ويعيدنا هذا الواقع التنموي المعطل إلى الدروس التاريخية القاسية لسياسات وقوانين التأميم في حقبة الستينيات من القرن الماضي؛ تلك السياسات التي أجهضت تجارب التحديث والمكننة الزراعية الرائدة التي قادتها عائلات وطنية عريقة مثل عائلتي “أصفر ونجار”. لقد كان لهؤلاء الرواد الفضل الأول في إدخال الحصادات والجرارات الضخمة ومضخات الري الحديثة، بل وحتى زراعة محاصيل استراتيجية جديدة كالأرز في تجارب ريادية فريدة. غير أن البيئة الطاردة لسياسات الأنظمة الشمولية والتوجه اليساري الاشتراكي دفعت بتلك الكفاءات والخبرات الوطنية للهجرة. إن هذا الدرس التاريخي يثبت أن تغييب البيئة الاستثمارية الحاضنة واحتكار القرار الإداري هما العائق الأساسي أمام أي نهوض زراعي. ولا يمكن فهم هذا الاختلال بمعزل عن الإرث الطويل للسياسات المركزية التي تعاملت مع الجزيرة بوصفها مجالاً للإنتاج الزراعي أكثر من كونها إقليماً تنموياً يمتلك خصوصيته واحتياجاته؛ ولا يعني ذلك أن المركزية وحدها صنعت المشكلة، لكنها أسهمت في إضعاف قدرة المنطقة على التعامل معها.

نحو استراتيجية متكاملة للنهوض

إن إعادة بناء الأمن المائي تتطلب الانتقال من إدارة الموارد بمنطق القرارات القطاعية المتفرقة إلى حوكمة متكاملة للأحواض المائية. ويبدأ ذلك بإنشاء إطار مؤسسي لإدارة أحواض الفرات والخابور ودجلة، بصلاحيات واضحة وتنسيق فعلي بين المؤسسات الوطنية والإدارات المحلية، وبمشاركة المزارعين ورابطات مستخدمي المياه والجامعات والخبراء. فاللامركزية المائية ليست نقل المكاتب من العاصمة إلى المحافظات، وإنما تمكين المستويات المحلية من المشاركة في التخطيط، والتخصيص، والرقابة، والمساءلة، ضمن سياسة وطنية موحدة.

وفي هذا السياق، يستحق الاستثمار في مياه نهر دجلة دراسة استراتيجية جادة، ولا سيما إمكانات الربط المائي مع حوض الخابور ومناطق الحسكة. لكن تحويل هذه الفكرة إلى مشروع لنقل المياه يتطلب دراسات هيدرولوجية وهندسية واقتصادية وبيئية، وتقييماً لكلف الضخ والطاقة، ومراعاة حقوق الدول المتشاطئة؛ فالمشروعات الكبرى لا تُقاس بطموحها الهندسي وحده، بل بجدواها، واستدامتها، وقدرتها على تحقيق منفعة عامة حقيقية.

وعلى المستوى الإقليمي، ينبغي أن تنتقل الدبلوماسية المائية السورية من الاحتجاج الموسمي إلى بناء سياسة تفاوضية تستند إلى الاتفاقات القائمة والقانون الدولي، وتطالب بتدفقات مائية عادلة ومنتظمة، وتؤسس لآليات مشتركة لتبادل البيانات، وقياس كميات المياه، ومراقبة نوعيتها. ويمكن توظيف المصالح الاقتصادية والتجارية ومشروعات الطاقة لتعزيز فرص التعاون، دون تحويل الحقوق المائية إلى ورقة مقايضة.

أما زراعياً، فلم يعد ممكناً الاستمرار في نموذج إنتاجي يستهلك المياه دون احتساب عائدها الاقتصادي. والمطلوب إعادة تنظيم الخريطة المحصولية وفق الموارد المتاحة، ودعم تقنيات الري الملائمة لكل محصول وتربة، وتأهيل شبكات النقل، وتنظيم حفر الآبار والضخ الجوفي، وتوسيع حصاد مياه الأمطار، وإعادة استخدام المياه المعالجة وفق المعايير الصحية والبيئية، على أن يرتبط الدعم الزراعي بكفاءة استخدام المياه، لا بمجرد زيادة المساحات المزروعة؛ فالري الحديث وحده لا يضمن توفير المياه ما لم يُضبط إجمالي الاستهلاك على مستوى الحوض.

إن مستقبل الأمن المائي في الجزيرة السورية يرتبط أيضاً بقدرة الدولة على بناء قاعدة بيانات موحدة، وإعداد سيناريوهات لمواجهة الجفاف، والفيضانات، والسيول، والتقلبات المناخية التي تشهدها المنطقة اليوم، وتحويل الآلية من رد الفعل إلى التفاعل الحقيقي والتخطيط الجاد، ووضع خطط استراتيجية تحاكي أي سيناريو محتمل بشكل علمي، مع ضمان مياه الشرب والصرف الصحي، وربط التخطيط المائي بالطاقة، والأمن الغذائي، وفرص العمل، والاستقرار السكاني.

خاتمة

إن الأمن المائي والغذائي في الجزيرة الفراتية ليس مجرد ملف خدمي أو موضوع فني قطاعي، بل هو ركيزة بنيوية لاستقرار سوريا وسيادتها الوطنية. إن التحول المطلوب يبدأ من انتقال الدولة من دور “الآمر المباشر للتفاصيل التشغيلية” إلى دور “المخطط والراعي الاستراتيجي”، وإشراك المجتمع المحلي في إدارة موارده؛ فإن إرساء حوكمة رشيدة وقريبة من الواقع الميداني هو السبيل الوحيد لإعادة الحياة إلى هذه الأرض المعطاءة وضمان استدامة مواردها للأجيال القادمة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني