أزمة المياه في سورية من الجفاف الموسمي إلى الانهيار البنيوي

0 3

تدخل سورية نفقاً مظلماً يدفع بها بقوة نحو مصاف الدول التي تعاني من الإفلاس المائي الكامل. لم تعد المسألة مجرد تراجع مؤقت في الهطولات المطرية أو أزمة طارئة فرضتها الجغرافية السياسية المعقدة لأحواض الأنهار الدولية المشتركة، بل هي أزمة حوكمة هيكلية وتدمير بنيوي متراكم تزامناً مع تطرف مناخي حاد. يضع هذا الواقع المرير أكثر من 73% من مساحة البلاد تحت مقصلة التصحر الزاحف، ما يطرح السؤال المصيري الذي يشغل الجميع:

كيف يمكن نقل سورية من واقع الشح المائي الحاد إلى واقع متوازن ومستدام يلبي احتياجاتها البيولوجية والزراعية؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تكمن في المسكنات المؤقتة، بل في صياغة عقد اجتماعي مائي جديد تماماً، تتخلى عن الأنماط التقليدية للإدارة وتتبنى جراحة هندسية وتقنية فائقة الحوكمة. فالأزمة المائية في سورية لم تعد تقتصر على شح الكميات، بل في تدهور متسارع لنوعية المياه المتاحة وصلاحيتها الإنسانية. فأغلبية محطات معالجة مياه الصرف الصحي تقبع حالياً خارج الخدمة الفعالة أو تعمل بكفاءة بدائية لا تتجاوز مراحل الترسيب الأولي. هذا العجز التشغيلي حوَّل شبكات الصرف الصحي والزراعي والصناعي إلى مصادر تلوث تقذف حمولاتها مباشرة في مجاري الأنهار الحيوية كالعاصي والفرات، ما أدى إلى خرق فاضح للمواصفات القياسية السورية لمياه الشرب (رقم 735).

إن النزيف الصامت للخزانات الجوفية في المحافظات الجنوبية السورية يأخذنا إلى طابع جيولوجي تدميري غير قابل للمعالجة نتيجة للضخ الجائر غير المنظم. حيث تعكس الأرقام في محافظة درعا عمق المعضلة، التي يوجد بها قرابة 20 ألف بئر ارتوازي عشوائي وغير مرخص، في مقابل 4,500 بئر قانوني فقط. هذا الفلتان الرقابي أدى إلى هبوط مأساوي في المنسوب البيزومتري للمياه الجوفية، ففي حوض دمشق وغوطتها، تراجع منسوب المياه ليرتفع عمق الحفر المطلوب من 30-60 متراً تاريخياً إلى أكثر من 120 إلى 200 متر، مترافقاً مع تملح الطبقات الحاملة وتراجع تدفقاتها النوعية. هذا الاستنزاف الداخلي، بالتوازي مع غياب التنسيق العادل في حوض اليرموك المشترك والسيطرة على أعالي الروافد، يضع الجنوب السوري أمام استحقاق الإفلاس الوظيفي الكامل خلال سنوات قليلة، ما لم يتم فرض حظر صارم ومقنن حاسم.

إن المشروعات الكبرى هي التي ستكون المنقذ لأزمة شح المياه في سورية. ويأتي مشروع سد (حلبية – زلبية) في الفرات الأوسط كأحد أبرز هذه المقترحات.

بالمقابل، يتجه المنظور العلمي الاقتصادي نحو تقديم مشروع الأمن المائي الطارئ بقيمة 125 مليون دولار والمدعوم دولياً، كبديل أكثر واقعية وسرعة في التنفيذ. ويركز هذا المشروع على التأهيل الهيكلي للمنشآت القائمة الحيوية، مثل نبع عين الزرقاء في إدلب (الذي يخدم مليوني نسمة)، وحوض العاصي الأعلى في حمص وحماة، ومحطة معالجة عدرا بدمشق، بعيداً عن كلف التأسيس الجديد وضغوط الدين السيادي.

لابدّ من إحداث ثورة في أدوات الحوكمة المائية، والاعتماد على مزيج تقني متطور يتجاوز الحلول السطحية التقليدية، من خلال:

أولاً: حظر سدود البادية السطحية والتحول نحو التخزين الموزع تحت السطحي.

ثانياً: الثورة التقنية في الري الزراعي ونقل سورية إلى واقع متوازن يستدعي تفعيل الترابط بين (المياه والطاقة والغذاء).

ثالثاً: إدماج المياه غير التقليدية (إعادة التدوير المتقدم وتحلية مياه البحر) إن تأمين الاستقرار المائي للمدن الكبرى يتطلب التوقف عن استنزاف الخزانات الجوفية وتوجيه البوصلة نحو المصادر غير التقليدية:

– إعادة التدوير الثلاثي: استكمال المعالجة المتقدمة والتعقيم في محطات عدرا وحمص وحماة، وضخ هذه المياه بالكامل لري الأحزمة الخضراء والمحاصيل العلفية والصناعية المقيدة، وبذلك يتم تحرير مليارات الأمتار المكعبة من المياه العذبة السطحية والجوفية وتوجيهها حصرياً للشرب المنزلي.

– تحلية مياه البحر: يبرز خيار تحلية مياه البحر على الساحل السوري (اللاذقية وطرطوس) عبر محطات تعمل بالطاقة المتجددة (الشمسية والريحية) كخيار استراتيجي مستقبلي لتأمين الكتل البشرية الساحلية ورفع الضغط الهيدروليكي عن الأحواض الداخلية، مستفيدين من انخفاض كلف إنتاج المتر المكعب عالمياً بفضل تقنيات الأغشية الحديثة.

رابعاً: الدبلوماسية الهيدروليكية الاستباقية: يتطلب التعامل مع الأنهار الدولية المشتركة الانتقال إلى حوكمة قانونية حازمة. إن إعادة تفعيل اللجنة الفنية الثلاثية المشتركة (سوريا، العراق، تركيا) يجب أن يركز على تثبيت “البروتوكول المشترك لتبادل البيانات الهيدرولوجية الفورية” عند محطة جرابلس الحدودية، وإلزام دول المنبع بالإفصاح عن خطط التشغيل والملء الدوري للسدود التركية (GAP) وفقاً لأعراف القانون الدولي للمياه (اتفاقية نيويورك لعام 1997).

إن إنقاذ سورية من شبح الإفلاس المائي والوصول بها إلى ميزان مائي متوازن ليس معضلة هندسية تعوزها الحلول، بل هو تحدي إرادة سياسية وحوكمة مؤسساتية قادرة على تطبيق القانون. إن الانتقال نحو تقنيات الري الحديثة، واعتماد التخزين الجوفي الرملي في البادية، وإدماج المياه غير التقليدية عبر المعالجة الثلاثية وتحلية مياه البحر، بالتوازي مع حظر الحفر العشوائي عبر بوابة التحكم في الطاقة، يمثل حزمة الإنقاذ المتكاملة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني