إشكالية الاستقرار السوري في ظل الشروط الأمنية الإسرائيلية

0 23
تحولات سوريا العميقة وانعكاساتها على التوازنات والمعادلات الإقليمية الجديدة: دراسة في السيناريوهات المستقبلية (7)

التمهيد: المشهد السوري بعد 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 وصعود أحمد الشرع

منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024 دخلت سوريا مرحلة جديدة تماماً من تاريخها السياسي والاجتماعي، عقب سقوط النظام السابق وبروز قيادة انتقالية بزعامة الرئيس أحمد الشرع، الذي تولّى السلطة رسمياً في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه. هذه المرحلة لا تشبه أيّاً من المراحل السابقة منذ عام 2011، فقد جاء نموذج الانتقال هذه المرة فريداً ومختلفاً عن التجارب المحيطة؛ إذ لم يكن نتيجة تفاوض دولي مباشر أو انقلاب عسكري، بل نتيجة تحوّل داخلي مدعوم بقبول شعبي وإسناد أممي محسوب. وقد أظهرت تقارير الأمم المتحدة في مطلع عام 2025 أن “سوريا تقف أمام فرصة انتقال سياسي مشروطة، ما تزال مرتبطة بإجراء إصلاحات عميقة وبناء مؤسسات شرعية لتحقيق الاستقرار”. ومع هذا التحوّل، برزت أمام السوريين فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم الدولة بعيداً عن الاستبداد والتبعية، وباتت البلاد أمام سؤال مركزي: هل يمكن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية والانقسام والحروب؟

على مستوى الهوية، فقد لعبت العقود السابقة دوراً مزدوجاً. فالنظام السابق استثمر الصراع مع إسرائيل كركيزة للشرعية السياسية، لكنه في الوقت نفسه عمّق الفجوة بين الخطاب والممارسة؛ إذ لم يخض حرباً حقيقية بعد 1973، ولم يستعد الأرض، بل استخدم شعار “الممانعة” كغطاء للاستبداد الداخلي. ومع سقوط ذلك النظام، لم يختفِ البعد العاطفي للصراع من وجدان السوريين، بل تحوّل إلى موقف شعبي مستقل عن الخطاب الرسمي، يرى أن الصراع مع إسرائيل ليس مجرد ورقة سياسية، بل قضية أخلاقية تتعلق بالعدالة والتاريخ والذاكرة. وهكذا انتقلت فكرة “الرفض” من كونها موقفاً سلطوياً إلى مكوّن من مكونات الوعي الجمعي.

أما على مستوى التجربة المعاصرة، فقد كشفت الحرب السورية منذ 2011، ثم التدخلات الإقليمية اللاحقة، عن الوجه المعقّد لإسرائيل في المشهد الداخلي السوري. فقد رأت قطاعات واسعة من السوريين أن اسرائيل لم تكن محايدة في الصراع، بل ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في إضعاف الدولة السورية القديمة عبر ضرباتها الجوية المتكررة وتنسيقها الأمني مع أطراف إقليمية متعارضة. ومع أن بعض النخب السياسية الجديدة في دمشق تتبنى خطاباً براغماتياً يدعو إلى “الانفتاح الواقعي” و“التفكير بالمصالح المشتركة”، فإن الشارع السوري لا يشاركها هذه الرؤية، إذ يرى أن إسرائيل كانت طرفاً فاعلاً في تكريس الانقسام الوطني وإطالة أمد الحرب.

هذا البعد الشعبي يجعل من أي مسار نحو السلام تحدياً داخلياً بقدر ما هو تحدٍ خارجي. فالحكومة السورية الجديدة، رغم امتلاكها شرعية نسبية ورغبة في إعادة سوريا إلى الساحة الدولية، تدرك أن تجاوز الرأي العام أو تجاهله قد يكون انتحاراً سياسياً. فالتقارب مع إسرائيل دون تمهيد وطني عميق سيُفسَّر كخيانة لتضحيات السوريين ولرمزية الجولان، خصوصاً في ظل الذاكرة الحيّة للضحايا واللاجئين والمفقودين.

كما أن هذا الرفض الشعبي لا يقتصر على فئة أو منطقة معينة؛ بل يمتد عبر طيف واسع من المجتمع السوري، من النخب الثقافية إلى الطبقة الوسطى، ومن الريف إلى المدن الكبرى. حتى بين الشباب الذين لم يعيشوا حروب 1967 و1973، ما يزال الشعور القومي والعداء لإسرائيل حاضراً كقيمة أخلاقية أكثر منه موقفاً سياسياً. في استطلاع أجراه “مركز دمشق للدراسات المستقبلية” في يوليو 2025، أعرب 71% من المستطلعين عن رفضهم لأي اتفاق سلام لا يضمن انسحاباً كاملاً من الجولان وتعويضات للمهجّرين.

هذا الموقف الشعبي يضع الحكومة السورية أمام معضلة مزدوجة: فهي من جهة بحاجة إلى الانفتاح الإقليمي والدعم الدولي الذي لن يتحقق دون تهدئة الجبهة الجنوبية، ومن جهة أخرى تخشى أن أي انفتاح سريع على إسرائيل سيُفقدها ما تبقى من شرعية وطنية. لذا تُفضّل دمشق الجديدة اعتماد سياسة الغموض الإيجابي، أي إبقاء الباب موارباً أمام التفاهمات غير العلنية، دون أن تُظهر أي تليين في الموقف الرسمي حيال الاحتلال.

ومن جانب آخر، يُدرك صناع القرار في اسرائيل أن تجاوز الرأي العام السوري مستحيل، وأن أي اتفاق لا يحظى بتأييد شعبي سيكون هشاً وعرضة للانهيار في أول أزمة. ولهذا، تعتمد إسرائيل سياسة “التطبيع من القاعدة إلى القمة” في المنطقة، أي عبر إنشاء شبكات اقتصادية وثقافية غير مباشرة تمهّد لقبولها الشعبي. لكن هذه المقاربة لا تنجح في الحالة السورية، لأن الذاكرة الوطنية لم تُستبدل بعد بخطاب المصالح، ولأن الجرح السوري لم يُختم بعد.

في المحصلة، يبقى الرأي العام السوري حجر العثرة الأكبر أمام أي تقارب استراتيجي، ليس لأنه يرفض السلام من حيث المبدأ، بل لأنه يربط السلام بالعدالة والكرامة، لا بالمكاسب الآنية. وهذا ما يجعل أي عملية تطبيع محتملة مع إسرائيل مرهونة بعملية مصالحة داخلية عميقة أولاً، تضع السوريين أمام تعريف جديد لمفهوم “السلام” ذاته.

الشرعية السياسية والمرحلة الانتقالية: تأثيرها على القدرة على توقيع اتفاقيات كبرى

دخلت سوريا مرحلة انتقالية سياسية جديدة تتسم بفرصة استثنائية لإعادة البناء والارتباط الدولي، لكنها في الوقت نفسه مرحلة هشة ومعقدة، إذ تتقاطع فيها الاعتبارات الداخلية مع التوازنات الإقليمية والدولية.

الشرعية السياسية التي يمتلكها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع اليوم لا تشبه الشرعية التقليدية للنظام السابق، فهي مزيج من تأييد شعبي جديد، قبول اقليمي ودولي وامريكي واضح، وقاعدة إدارية قادرة على إدارة الدولة بعد الانهيار السابق. هذا النمط من الشرعية يمنح الحكومة قدرة محدودة على اتخاذ قرارات سيادية كبرى، لكنه يُقيدها أيضاً بأطر محددة:

الشرعية الشعبية: رغم أن مئات الآلاف من اللاجئين عادوا بعد سقوط النظام، فإن الرأي العام لا يزال حساساً لأي تحرك سياسي يُنظر إليه على أنه تنازل عن حقوق تاريخية، خصوصاً فيما يتعلق بالجولان أو العلاقة مع إسرائيل. لذا، أي محاولة لتوقيع اتفاق سلام شامل يجب أن ترافقها عملية تواصل جماهيري عميقة ومراحل مصالحة وطنية، وإلا ستواجه الحكومة مقاومة واسعة قد تهدد استقرارها الداخلي.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني