
عندما أحاربك بسلاحك
لم تكتفِ واشنطن بالرد على تهديدات طهران في مضيق هرمز، بل سعت إلى انتزاع هذه الورقة من أساسها؛ فمع تعزيز وجودها البحري وتشديد الرقابة على خطوط الملاحة، تحوّلت تدريجياً إلى الطرف القادر على التأثير في حركة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية، في خطوة تعكس انتقال الصراع من تهديد الملاحة إلى التحكم بها.
بهذا المعنى، لم يعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تبادل للتهديدات، بل تحوّل إلى مواجهة مركبة تُدار بأدوات الجغرافيا والاقتصاد في آنٍ معاً.
فبعد تعثر المسارات التفاوضية، بما فيها القنوات التي ظهرت في اسلام أباد، دخل الطرفان مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ“إدارة الاشتباك”، حيث يُرفع سقف الضغط دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
في هذا السياق، تبدو تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب جزءاً من استراتيجية أوسع، لا تقتصر على استعراض القوة، بل تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان الضغط، فبدل الاكتفاء بضمان حرية الملاحة، اتجهت واشنطن إلى توسيع نطاق المواجهة نحو الاقتصاد الإيراني، مستهدفة شريانه الأساسي (صادرات النفط) ومن خلال مزيج من العقوبات، والملاحقة البحرية، والضغط على المشترين، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص قدرة طهران على تحويل مواردها إلى نفوذ سياسي ومالي.
إيران، من جهتها، لطالما راهنت على موقعها الجغرافي كأداة ردع (إشرافها على مضيق هرمز) منحها قدرة على التهديد بإرباك أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وهو ما جعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
غير أن التطور الأخير يشير إلى محاولة أمريكية لتفريغ هذه الورقة من مضمونها، عبر تحويل التفوق البحري إلى أداة تحكم فعلي بإيقاع الملاحة، وليس فقط حمايتها.
ومع ذلك، فإن الحديث عن خنق إيران اقتصادياً بشكل كامل يظل محل تساؤل، فإيران ليست دولة معزولة جغرافياً، بل تمتد على مساحة واسعة وتجاور عدداً من الدول التي تمنحها منافذ متعددة للحركة.
فهي ترتبط بحدود برية مع العراق وتركيا وأفغانستان وباكستان، إضافة إلى دول آسيا الوسطى والقوقاز، كما تطل على الخليج العربي وبحر عمان، ما يتيح لها هامشاً من الحركة يصعب إغلاقه بالكامل.
هذا الواقع الجغرافي ساهم في نشوء ما يمكن تسميته “اقتصاد الظل”، حيث طورت طهران شبكات معقدة للالتفاف على العقوبات، بما في ذلك أسطول من السفن التي تعمل خارج الأطر التقليدية للتجارة الدولية.
هذه الآليات، رغم كلفتها العالية، منحت إيران قدرة على الصمود، وأبقت جزءاً من تدفق النفط مستمراً، ولو بطرق غير مباشرة.
في المقابل، تلعب القوى الكبرى دوراً حاسماً في تحديد مدى فعالية الضغوط الأمريكية. فالصين، باعتبارها أحد أكبر مستوردي الطاقة، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: فهي بحاجة إلى النفط، لكنها لا ترغب في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
لذلك، فإن الحديث عن بدائل من الإمارات العربية المتحدة يعكس سعياً صينياً لإدارة المخاطر، لا بالضرورة التخلي الكامل عن النفط الإيراني.
أما روسيا، فتنظر إلى الأزمة من زاوية توازن القوى، مستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة، ومستخدمة الملف الإيراني كورقة ضمن صراعها الأوسع مع الغرب، دون أن تصل إلى حد المواجهة المباشرة.
في ظل هذه المعطيات، تبدو خيارات طهران محصورة بين مسارات ثلاثة:
- الاستمرار في سياسة الصمود والمراوغة، مع تصعيد محدود ومدروس.
- رفع مستوى التوتر في المجال البحري بما يحمله ذلك من مخاطر.
- الانخراط في مسار تفاوضي جديد بشروط مختلفة.
غير أن التجربة تشير إلى أن إيران تميل إلى الخيار الأول، أي إدارة الأزمة بدل تفجيرها، مع السعي لكسب الوقت وتحسين موقعها التفاوضي.
في المقابل، تعتمد فعالية الاستراتيجية الأمريكية على قدرتها في بناء إجماع دولي حول سياساتها. فالعقوبات تكون أكثر تأثيراً عندما تُطبق بشكل جماعي، وأقل فاعلية عندما تجد الدول المستهدفة منافذ بديلة.
من هنا، يمكن فهم التحركات الدبلوماسية الأمريكية، بما في ذلك الانفتاح على قوى كبرى، كجزء من محاولة لتقليص هذه المنافذ إلى الحد الأدنى.
في جانب من هذا المشهد، تستعيد المواجهة منطقاً قديماً في الحروب، يشبه إلى حدّ ما حصار القلاع، حيث لا يكون الهدف الاقتحام المباشر، بل قطع الإمدادات وترك الزمن يقوم بمهمته. (عزل الخصم، قطع الإمداد، انتظار الإنهاك).
غير أن الفارق الجوهري أن “القلعة” الإيرانية اليوم ليست مغلقة بالكامل، بل تمتلك منافذ متعددة، ما يجعل الحصار أقرب إلى عملية خنق تدريجي لا عزلٍ كامل.
في المحصلة، لا تبدو هذه المواجهة مرشحة لحسم سريع، ما يجري هو أقرب إلى “حرب استنزاف باردة”، تُستخدم فيها أدوات الاقتصاد والجغرافيا بدلاً من الجيوش التقليدية.
وبين تهديد بإغلاق الممرات البحرية ومحاولات لخنق شرايين الاقتصاد، يقف الإقليم أمام توازن هش، حيث يسعى كل طرف إلى استخدام سلاح الآخر ضده.
وهنا تحديداً تكمن دلالة العنوان: فالصراع لم يعد حول من يملك القوة فقط، بل حول من يستطيع إعادة تعريفها واستخدامها بذكاء.
وفي هذا النوع من المواجهات، لا يكون الانتصار حاسماً، بل يُقاس بقدرة كل طرف على الصمود، وإدارة الضغط، وانتظار اللحظة التي تفرض فيها السياسة ما عجزت عنه القوة.