أحلام وردية

0 17

خفق قلبي.. يا للمفاجأة!، التقيته مصادفة بعد ربع قرن تقريباً، فمنذ انتقل والده إلى محافظة أخرى انقطعت أخباره. اقتادتنا أقدامنا إلى مقهى قريب، وانتعشت الذكريات وعادت بنا إلى الأيام الخوالي، فما إن جاءت أسرته إلى قريتنا احتفل بها الجميع، كعادتهم في استقبال الضيوف الوافدين إليها، وبعد التعارف ارتحت له، واتخذته صديقاً. كنّا يافعين في الصف الثالث الإعدادي، الدنيا تضحك لنا، يجمعنا النهار بطوله، وتفرقنا ساعات النوم ليلاً. نراجع الدروس معاً، ونكتب الواجبات، ونحضّر للاختبارات. نتنافس في التحصيل دونما غيرة، ونتشارك في لعبة كرة القدم، والكرة الطائرة حتى تنزّلت تلك النازلة فافترقنا، ولم أره. سألته عن حلم المراهق الجميل فضحك، لقد ذهب أدراج الرياح.

– لماذا؟

– سؤالك ينكش الماضي…

– وهذا ما أودّ سماعه بعد تلك السنوات؟

– قلت لك ذرته الريح

– لِمَ؟

– أحلام اليفاعة فقاعة صابون تنفجر مع أوهى النسمات.

– أذكرُ، يومها، كم أشرتَ باقتضاب عمّا يعتمل في صدرك الطفولي، وينبض به قلبك الغض نحو ابنة خالتك.

– أجل…

– ما أخباركما؟

– صارت من المنسيات

– هاتها؟

– كانت تصغرني بعامين، أحببتها.. عشقت عينيها الدعجاوين، وخدّيها الموردين، وابتسامتها التي تنوّر وجهها الحنطي، وجديلتي شعرها المتراقصتين على تكوّر رمانتي صدرها، وخطأي لم أفصح لها عن مشاعري. كبرت أمام ناظري كفطر، وعندما أنهت امتحانات الشهادة الاعدادية لفتت أختي انتباهي، أخبرتني أن أهلها يعتبرونها شابة ناضجة، وليست قاصراً، وهناك من يحوم حولها، ويسعى إلى طلب يدها. لم تدرِ أنها أشعلت ناراً تثير هواجسي، تُرى هل أضيّعها؟

تلك الليلة حلمت أننا عروسان، وقضينا أياماً وشهوراً سعداء، وأُصبتُ بمرض أنهك جسدي، هزلت كثيراً وأقعدني أرضاً، رأيت شبح الموت ينتظرني مراراً، وفي ساعة هدوء جلست إلى جواري. حدقت بي، ومسحت بيدها على شعري والدمع يغص في مقلتيها. حزنتُ لمرآها، وأدركت أني هالك، وليس لي في الدنيا غير بضعة من زمن، وعزّ عليَّ ما ستعانيه، وزارني قرين أنطق مقولي أبياتاً ما زلت لا أتذكّر منها إلّا هذين على ما فيهما من شقاوة المراهقة:

أيا حبّةَ القلب المعنّى فإنّني.. وقد ضاق صدري، طولَ ليلٍ سعال

وقد انقضى يومُ عناق الأحبّة.. فحدّي… وأيّام الحداد طوال

ولمًا سمعتها استنفرت، واحمرّت وجنتاها، واستشاطت غضباً، وصفعتني فاستيقظت على إثرها، لعنت الشيطان، وشربت جرعة ماء، وبقيت مسهداً حتى طلعت الشمس وملأت أشعتها الغرفة.

نهضت حائراً كدجاجة توشك أن تبيض، كيف أكلّم والديّ، وماذا سيقولان عن فتى لم ينهِ الثانوية، وإذا استجابا لطلبي هل يوافق أبوها؟ وظللتُ طوال ذاك اليوم أدور حول نفسي لا أعرف ما أفعل، أأخبرها أم أرسل أختي لها؟ وتقضّى الوقت سراعاً، وكاد الغروب يحلّ عندما جاء أخوها الصغير وهو يتقافز فرحاً، دعانا إلى حضور خطوبتها من ابن عمّتها المسافر إلى دولة خليجية، فغصصت بلعابي، وكتمت ما بي…

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني