سوريا الهدف التالي… تحذير تركي يكشف سيناريو الحرب المؤجلة

0 2٬038

لم يكن حديث وزير الخارجية التركي مؤخراً حول استمرار العدوان الإسرائيلي على سوريا بعد الانتهاء من الحرب مع إيران مفاجئاً لأحد، إضافةً لموقع الوزير السياسي في تركيا، فإنه يمتلك خبرة ومعرفة أمنية بملفات المنطقة كونه شغل منصب رئيس المخابرات التركية لفترة طويلة.

ولا يستطيع أيّ إسرائيلي أو من يدير هذا الكيان أو يدور في فلكه إنكار ذلك، فتلك النوايا لا تقع ضمن التكهنات أو حتى التحليلات، بل تستند لمجموعة دراسات لمراكز أبحاث وتصريحات رسمية من الطبقة السياسية، بل من رئيس الوزراء نفسه، ولم تكن تلك السياسات كلاماً فقط، بل ترافقت بأفعال معروفة على الأرض، ولا تزال تداعيات تلك الأفعال موجودة، بل ولا تزال التهديدات قائمة.

على الملأ وبكل الصلف والتجبّر قالها نتنياهو بأنه الآن في صدد القضاء على محور شيعي يتداعى، وقبل الحرب مع إيران لم يكن يُخامره شكّ أنّ جرّ راعي البقر الأمريكي الجديد إلى تلك الحرب وتبني الأهداف الإسرائيلية بأن نهاية ما يسمى بمحور إيران الإقليمي ونفوذها سيهزم هزيمة ساحقة ويختفي من الوجود، وتعود إيران الشاهنشاهية الفارسية الصديقة لإسرائيل والمعادية للعرب والسنّة عموماً لتتحالف مع إسرائيل، وتُشكّلان فكيّ كمّاشة من الغرب والشرق بدعم ورعاية أمريكية، وبذلك تبدأ أحلام الدولة العبرية المعلنة بإسرائيل الكبرى أو الشرق الأوسط الجديد الإسرائيلي، حيث لن يبقَ لإعلان ذلك إلا حسم المعركة مع المحور السني المتطرف كما أسماه نتنياهو، وقد يكون توهّم أنّ المعركة مع المحور المُتخيّل السني قد لا تكون ساخنة بالضرورة، إذ إنّ موازين القوى ستحسمها لصالحه قبل أن تبدأ، وتستسلم كل الدول للمشيئة الإسرائيلية (والأمريكية طبعاً)، ويتشكل المحور الموعود من دول غير عربية من اليونان إلى قبرص مروراً بأثيوبيا ودولة عربية خليجية مع بعض قوى ما دون الدولة في السودان وليبيا والصومال، وصولاً للهند وإيران الجديدة لتطويق المنطقة العربية والسنية عموماً، بحيث تكون إسرائيل هي مركز هذه الدائرة والمقرر فيها والوكيل الحصري للإمبراطور الأمريكي في المنطقة.

ويرى بعضهم أنّ المحور السني المتطرف برأي الإسرائيليين رأس رمحه هو الجبهة الشمالية، بمعنى هو سوريا وتركيا بالدرجة الأولى، ويرى المخططون الاستراتيجيون لدولة الاحتلال أنّ الحكومات التي تولد من شعوبها وتُمثّلهم ستكون بالضرورة معادية لإسرائيل، ويستدلّون على ذلك بطبيعة العلاقات التاريخية مع تركيا وتطوّرها إلى حالتها اليوم، حيث كانت الطبقة العسكرية التركية الأتاتوركية التي حكمت منذ انهيار الدولة العثمانية إلى مطلع الألفية الجديدة قبل وصول الرئيس أردوغان وحزبه للسلطة، حيث كانت تركيا السابقة صديقة للإسرائيليين وعدوّة للعرب، وعند وصول حكم تركي يُعبّر عن إرادة شعبية ويتناغم مع تلك الإرادة، حيث وصلت في عقدين العلاقة بين الدولتين إلى ما هو عليه الآن، بحيث ترى كل دولة أنّ خصمها هو الطرف الآخر.

وسوريا بالمنطق الإسرائيلي تسير بهذا المنحى، حيث أفرز انتصار الثورة السورية قيادة من قلب الشعب السوري ستتناغم معه بالتأكيد، وبالتالي باتت سوريا بعد الأسد هي خطر يتحول إلى تهديد.

واستراتيجية إضعاف الجوار الأقرب فالأقرب هي من مسلّمات السياسات الإسرائيلية، يختلف القائمون عليها في كيفية تطبيقها، ولا يختلفون في جوهرها أو سلامتها، والرسميون الحمقى في حكومة اليمين الحالية هم وبدافع غرورهم يعبّرون عنها بصراحة، وفي الحقيقة بمقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين على أيدي متطرفين يهود، أَفَل نجم اليسار أو العلمانية الغربية في إسرائيل، والتي كانت أقلّ سوءاً من اليمين، والمجتمع الإسرائيلي يتدعشن أو يتحوّل بمعظمه نحو اليمين، بحيث إن كل الحكومات في العقود الأخيرة كانت يمينية أو يتحكم بها اليمين، وبسبب الهجرة المعاكسة وفشل الاندماج مع المحيط العربي وإرجاع بعض الحقوق للفلسطينيين، ستكون أيّ انتخابات إسرائيلية تُفرز كنيستاً يمينياً متطرفاً، حيث بات اليهود الشرقيون الأكثر عدداً بفعل زيادتهم الإنجابية عبر الأسرة، وهم الشرائح التي ستصوّت في أيّ انتخابات، لذلك ستتحول إسرائيل إلى أكثر عدوانية وتطرفاً في الحاضر والمستقبل، ولا يوجد أيّ أمل بتغيير سياسات الدولة العبرية من داخلها.

لذلك كَسِبَ أعداء دولة الاحتلال ساحة استراتيجية هامة بانضمام سوريا إلى أيّ جهد يتركز للتصدي للمطامع التوراتية في المنطقة، وبحيث كما يرى المسؤولون الأتراك والإسرائيليون بأنهم أصبحوا على تماس مباشر نظراً للصيرورة الحتمية في بناء أفضل العلاقات بين سوريا وتركيا.

في ظل استمرار الصراع بين الشيعة واليهود ومن خلفهم البروتستانتية الصهيونية، والذي لم يتم حسمه في الحرب الحالية، ومن المتوقع عدم حسمه في المدى القريب والمتوسط، وبحيث يستنزفان جهود بعضهما طالما أنّ الصراع حتمي وصفري بينهما، وهذا ما سيعطي المجال لولادة المحور السني، والذي بدأت ملامح تشكّله بعد حرب حزيران 2025، وبات الآن في نظر تلك الدول ضرورة استراتيجية، حيث كانت مصلحة المحور المأمول في عدم الانخراط في الحرب لصالح أحد الفريقين، واللذين هما خصمان بنفس الدرجة ونفس الخطورة على الدول السنية، وقد كان الدور التركي واضحاً في وعي أخطار المرحلة القادمة، حيث كان يُرسّخ علاقاته مع الجوار ويستعد داخلياً لاحتمالات المواجهة مع إسرائيل، سواء بعرض أسلحة رادعة كالصواريخ البالستية تردع التفوّق الجوي الإسرائيلي، أو ببناء الملاجئ في المدن التركية للوقاية من غارات محتملة، وفي ذلك أيضاً تهيئة للرأي العام لمرحلة الصراع القادم، ولم يُغفِل الأتراك الاستفادة من الدرس الإيراني بمحاربة أيّ اختراق استخباراتي لمفاصل في الدولة التركية.

كانت سوريا مرشحة لأن تكون ساحة للصدام بين الأتراك والإسرائيليين، لكن حكمة القيادة السورية والتركية ارتأت تجنّب هذا الصراع وتأجيله لمرحلة تكون الاستعدادات أفضل، وتم اعتماد الخيار الدبلوماسي، وقام البيت الأبيض بكبح الجموح الإسرائيلي لمصالح أمريكية بحتة في هذا الوقت.

لم ينجرّ العرب للحرب رغم تخطيط إسرائيل ورغم حماقة القيادة الإيرانية، واكتفوا بالدفاع في الخليج وامتصاص الصدمات وتقطيع هذه الحرب والتفكير بالمرحلة القادمة، ولتغيير موازين القوى تم الزجّ بالقوة الباكستانية في صراعات المنطقة لما تُمثّله قدرات هذه الدولة السنية الكبيرة من تأثير في مجريات الصراع القادم.

وقد أوضح الرئيس السوري موقف بلاده من الصراع في المنطقة عندما قال إنه يمارس الحياد بين الخصوم ويُدين كل الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية، كما أنه أكّد حرص بلاده على الوصول لاتفاق أمني فقط مع إسرائيل يضمن عودتها لخطوط ما قبل 8 ديسمبر 2024، وأكد من أنطاليا أهمية التحالف أو التنسيق السوري التركي في ضمان استقرار وأمن المنطقة.

تم توحيد سوريا رغم أنف الطامعين بتفتيتها (إسرائيل وإيران)، ويتم بناء أفضل العلاقات والتنسيق الكامل مع العرب والأتراك، وسوف يتم بناء القدرات السورية الرادعة لأيّ عدوان عليها مستقبلاً.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني