
العدالة الاجتماعية.. كيف ستكون في مجتمع سوري محطم
تعريف المعرّف
العدالة الاجتماعية تعبير معروف في كل دول العالم، إلا في سورية ينكرونه ولا يعترفون بالحاجة إليه لأنهم ينكرون أن المجتمع السوري محطم سياسياً وثقافياً والأهم أنه مجتمع فقير اقتصادياً وجائع. ويوجد 10% منه أثرياء حرب ونحو 90% من السوريين على حافة الجوع في عام 2026.
فالعدالة الاجتماعية هنا هي مسألة حياة أو موت لكل سوري وأداتها الاقتصاد، للبقاء على قيد الحياة.
العدالة هي قوة للمجتمع وللدولة
تطبيق العدالة بشكل منطقي يعطي قوة للمجتمع ويجعل الدولة متماسكة.
نعرف أن معظم الثورات والمشاكل في معظم بلدان العالم كان سببها الرئيسي، التباين الشديد في توزيع الدخل والثروة، بين قلة تملك كل شيء وـكثرية على حافة الجوع.
لماذا نطالب بالعدالة الاجتماعية، وأحياناً نسميها الحماية الاجتماعية (أو مكونات شبكة الحماية الاجتماعية). كلها تشير إلى أن العدالة يجب أن تتحقق في توزيع ثروة الوطن على المواطنين كافة، وأنها قضية أخلاقية وسياسية معاً: لا يجوز أن يبيت إنسان جائعاً وجاره شبعان (من حديث شريف). بمعنى أن العدالة يجب أن تضمن توفر مقومات الحياة الأساسية للمواطن دون إذلاله ودفعه للتسول. (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم).
العدالة الاجتماعية تبادلية مع الاقتصاد
عندما تكون العدالة الاجتماعية مقبولة من الشعب فإن المستفيد الأساسي الأخير هو ذاته الاقتصاد الذي كان الممول الرئيسي لها في البداية. العدالة هنا تعني إعادة تحسين دخل الأفراد بالدرجة الأولى. الحكومة الانتقالية واجبها السياسي والأخلاقي أن “تفعل” النهوض الاقتصادي بسرعة وبقوة حتى تستطيع الدولة أن تمول برنامج العدالة وإنقاذ شعبها من الجوع من ذلك الفائض الاقتصادي. لا نقصد بها أن يكون الفقير غنياً دون أن يجهد نفسه أبداً. بل أن يجد ما يسد حاجته ويحفظ كرامته من ذل السؤال. وأن يجد فرصة العمل التي توفر له حياة كريمة.
والمصيبة أن هذه الحكومة الانتقالية لم تُعنَ بالاقتصاد بالمرة. وأطلقت شعار أننا بلد اقتصاده حر، ورفعت يدها، وقالت لسكان الغابة تعايشوا في اقتصاد حر. وهذه الحكومة لا تدرك أن معظم الشعب السوري على حافة الجوع، أي نحو 90% ولا يستطيع أحدهم العيش بكرامة بهذه الغابة دون حماية، ماعدا النخبة المالية الفاسدة وهم زبائن مطعم أم شريف في فندق الفور سيزونز بدمشق..
حزمة العدالة الاجتماعية المقترحة:
حزمة العدالة الاجتماعية المثالية متنوعة، وذات أشكال مباشرة وغير مباشر، وبعضها عاجل وبعضها طويل الأجل. وبسبب الواقع الاجتماعي المأساوي في سورية الآآآن فإننا سنقسم هذه الحزمة إلى مجموعتين الأولى سريعة وإسعافية، والثانية طويلة الأجل.
أولاً: حزمة العدالة الإسعافية السريعة
وتضم ثلاث مؤسسات أو أنشطة بعضها قائم، وبعضها مطروح للنقاش وهي:
أ- تفعيل وتوسيع صندوق الرعاية الاجتماعية
«صندوق الرعاية الاجتماعية» يفترض أن يقدم المعونة المالية والمؤسسية للفقراء. إلا أن أغلب الفقراء لم يسمعوا به. ولهذا فإن تفعيل هذا الصندوق وتوسيع مجاله وموارده هو ضرورة إسعافية في المدى القصير لتخفيف العبء عن السوريين. وهذا الصندوق موجه لتخفيف الفقر.
ب- برنامج حماية الأسرة والطفولة
هذا برنامج مقترح، شامل لكل سورية. ويفترض أن يقدم الغذاء والدواء والمال للأسر المحتاجة وخاصة المرأة والطفل. ومثل هذا البرنامج موجود في أغلب دول العالم. ويمكن الاستفادة السريعة من تجربة «برنامج الغذاء العالمي» في سورية للوصول إلى كل الأسر السورية المحتاجة بيسر وسهولة. وهو موجه لتخفيف الفقر أيضاً.
ج- صندوق تعويض البطالة
والنشاط الإسعافي الثالث المطلوب استحداثه هو برنامج «التأمين أو التعويض ضد البطالة» للعمالة التي فقدت عملها في القطاع الخاص، ضمن قواعد واضحة ومحددة تضمن للفرد كرامته، والحفاظ على مستوى مقبول للمعيشة له ولأسرته لفترة مؤقتة ريثما يجد فرصة عمل أخرى. وهذا البرنامج يستلزم تقوية وتدعيم مكاتب التشغيل القائمة بما يمكنها من التعرف على احتياجات أصحاب الأعمال وملاءمتها مع العاطلين المسجلين. وهو برنامج تمويله ذاتي في النهاية لأنه يمول من مساهمة رب العمل والعامل نفسه.
ثانياً: حزمة العدالة طويلة الأجل
هذه الحزمة تضم ثلاثة أنشطة:
أ- إعادة توزيع الثروة
ربما أفضل أسلوب غير مباشر لإعادة توزيع الثروة هو النظام الضريبي. وإعادة توزيع الثروة ليس مصطلحا شيوعياً أو يسارياً وإنما الدولة الرأسمالية الأولى بالعالم – أي الولايات المتحدة الأمريكية – قامت ولا تزال بتوزيع الثروة بطريقة مؤسسية من خلال النظام الضريبي على الثروة وعلى الدخل.
إذ فرضت ضرائب عالية تصل إلى 70% من الدخل أو الأصول على الأثرياء بينما أعفت أو خفضت الضرائب على الأصول الفقيرة أو الدخل المنخفض.
وخلال عقود من التطبيق تم تضييق الفرق بين من يملكون ومن لا يملكون.
ولنأخذ مثالاً قريباً، عندما تدفقت في الكويت عائدات النفط منتصف القرن الماضي، قامت الحكومة بإشراك كل المواطنين بحصة عادلة منه عبر «تثمين البيوت» أو شراء منازل المواطنين في المدينة القديمة والوحيدة بنحو 10 أضعاف السعر السائد بهدف إعطائهم حصة من الثروة. وقد قلدت دول الخليج أسلوب الكويت لدرجة أننا بالكاد نرى فقيراً أو جائعاً في دول الخليج.
ب- تحسين مستوى الدخل
وهذا برنامج طويل الأجل تتدخل فيه عوامل النمو الاقتصادي والمعايير الاجتماعية معبراً عنها بأسلوب مالي وضريبي. من الطبيعي إذا نما الاقتصاد بقوة فإن الفائض المتولد سوف يشجع الحكومة على تحسين الرواتب والأجور وربطها بمؤشر التضخم للحفاظ على القوة الشرائية. ويعزز هذا بنظام ضريبي للدخل متدرج بحيث يعفى من الضريبة الشرائح المنخفضة من الدخل.
ج- تخفيف الفقر غير المباشر
هذا برنامج غير مباشر أيضاً وطويل الأجل من أجل تخفيف الفقر في مناطق معينة أو ضمن شرائح اجتماعية فقيرة تحتاج إلى نشاط مستقل وموجه. ويتضمن أنشطة مثل برامج قروض استثمارية أو حوافز ضريبية خاصة أو إعانات مادية في السكن والغذاء.