الديمقراطية هدفٌ ومشروعٌ وطنيٌّ

0 11

حتى الآن، وللأسف، فإن هذا العنوان الأثير لا يزال شعاراً، وإن إصرارنا على تثبيته عنواناً لموضوع وطنيٍّ جادٍّ وعميق، فإننا نقصد بذلك أن الديمقراطية هي هدفنا، ويجب أن تكون وتبقى هدفنا ومشروعنا، ولكن:

أولاً: حتى نكون صادقين وجادّين في شعارنا، وفعّالين ومنجزين في سعينا وكفاحنا.

ثانياً: لكي نسلك أفضل الخيارات ونضمن تحقيق هدفنا هذا، فإننا يجب أن ندرك ونعي، وأن ننطلق من مسلّمات عقلية بأن الديمقراطية هي الشرط الأساسي والخيار الوحيد لبناء سورية الجديدة كدولة حديثة ناجحة متقدمة، ولكن الأهم من ذلك أنه لتحقيق الديمقراطية، فإنه أمامنا شروط وخيارات محددة وممرات حتمية! وهذا الكلام نتوجه به ويقع على عاتق جميع السوريين الوطنيين، وخاصة النخب والمفكرين والمتصدرين والناشطين.

1- يجب على الجميع فهم معنى الديمقراطية بشكل صحيح، ويجب تصوّر أحكامها واستحقاقاتها ونتائج تحكيمها، ويجب الاستعداد التام للالتزام بمقتضياتها وفرضياتها، واحترام إرادة الأغلبية التي قررت وفرضت مؤشراتها.

2- يجب أن ندرك خصوصية الحالة السورية من التصحّر السياسي والأمية الحزبية والتنظيمية وأعجمية الديمقراطية، أي اغترابها وعدم معرفتنا بها وعدم ممارستنا لها بشكل مطلق، وذلك، على المؤكد، منذ استيلاء الطائفيين على الحكم، بعد أن جاؤوا ممتطين ما أسموه حزب البعث في آذار عام 1963، ثم إحكام قبضة الدكتاتورية الطائفية من خلال ما أسموه بالتصحيح عام 1970. وهذا يعني أن الأجيال المعاصرة والموجودة والفاعلة حالياً لم تمارس الديمقراطية قط، ولا تعرفها بتاتاً.

وإن هذا الواقع يفرض على النخب المفكّرة والمؤثّرة، وعلى الناشطين المدوّنين والناشرين، أن يباشروا بشكل ممنهج العمل الجاد بهدف توعية الشعب وتوجيهه وإكسابه ثقافة الديمقراطية، بل من الأفضل والأجدى أن يكون النشاط منظماً، تقوده أحزاب ومنتديات، بهدف توطين الديمقراطية وترسيخ قواعدها. ومن المهم جداً إفهام الناس بأن الديمقراطية ليست هي فقط الانتخابات ونتائجها، إنما تبدأ الديمقراطية بتأسيس ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر وتقبّله، وإلغاء، بل تجريم، طرق الصراع والتصادم، واستبدالها بلغة الحوار والمنطق والمحاججة، وبعدها الاحتكام لرأي الأكثرية.

3- يجب على من يسمّون أنفسهم علمانيين أو يظنون أنفسهم كذلك، يجب عليهم فهم حقيقة العلمانية وجوهرها، وفهم أن العلمانية لا تعني استبعاد الأديان، وبشكل خاص ومحدد ومقصود الإسلام، ويمارسون الغلو لدرجة استبعاد الإسلام من الحياة العامة. فهذا الفكر وهذا الإعلام ومحاولة فرض الوصاية هذه لا تفيد الحريات وبناء الدولة، بل تؤجّج صراعاً، وتُظهر للغالبية بأن الديمقراطية هي اعتداء واستفزاز، أو هي مشروع خارجي معادٍ.

وبالنسبة لمن يتذرعون في علمانيتهم هذه بالتعصّب والتزمّت، فإن هذا الطرح قضية أخرى، ولها حلول عقلانية لا تستدعي ولا تبرّر معاداة الدين من أصله. أما بالنسبة للذين يتذرعون بأكذوبة داعش ويدمجون داعش بالإسلام، فإن هذا هو بمثابة إعلان حرب على المسلمين، وذلك لسبب واضح ومفحم، وهو أن المسلمين هم أول وأقوى الذين حاربوا داعش، وهم أول وأكثر الضحايا لداعش.

4- يجب أن نعترف ونقرّ بأن هناك تناقضاً واضحاً بين الديمقراطية وبين محاولات الانفصال، بل وحتى المطالبة بالانفصال أو السعي والمطالبة بأشكال ومسميات مموّهة للانفصال، مثل الحكم الذاتي أو الفيدرالية. لماذا؟

أولاً: لأن هذا استعداء للشعب السوري، ويولّد الصراع؛ لأنه ينسف مشروع بناء الدولة الموحدة القوية والناجحة، الذي هو من أولى أهداف الديمقراطية.

ثانياً: لأن الانفصال أو الفيدرالية أو الالتزام بوحدة سورية، إن كل هذه الحالات من المفروض، بل يجب، ألّا تكون إلا نتيجة للديمقراطية، أي يجب أن تأتي بعد تحقيق الديمقراطية وتفعيلها، لا أن تسبقها.

5- إن من أهم أهداف الديمقراطية، بل على رأس أهدافها، يأتي تحقيق العدالة وتطبيق القانون. ومن المفروغ منه، ولا يتطلب الجدال، بالنسبة لسورية الجديدة، أن تحقيق العدالة يبدأ بتطبيق مبدأ المحاسبة القضائية العادلة في قضايا جرائم الحرب والإرهاب التي ارتكبها النظام المخلوع وعصاباته ضد سورية وشعبها. وعليه، فيجب على الجميع الإقرار بأحقية وقانونية المحاسبة، واعتبارها جزءاً من الديمقراطية، ولا تعارضها.

6- من المعلوم أن النظام الدولي لم يتغيّر، وأنه لا تزال هناك قوى لاعبة تحاول تثبيت أنظمة حكم وظيفية تخدم مصالح هذه القوى على حساب مصالح وطنها وشعبها. ومن البدهي أنه يُفضّل، بل يُشترط، أن تكون هذه الأنظمة الوظيفية غير ديمقراطية، لأن ديمقراطيتها سوف تُفسد وتعيق توظيفها. ومن هذا المنطلق، فإن المؤمنين بالديمقراطية ووجوب تحقيقها يتوجب عليهم عدم التعامل والتعاون والتخادم قطعياً مع القوى اللاعبة الخارجية.

7- إن جميع ما أسلفنا ذكره من شروط وواجبات وإرشادات كان متعلقاً بالشعب وموجّهاً له، ولكن قد يقول قائل ويسأل: وماذا عن السلطة والحكومة؟ نعم، إن السلطة هي صاحبة القرار والقادرة على التنظيم والتوجيه، ويتوجب عليها أن تبادر، وأن تمدّ يد التعاون وتفتح أبواب الحوار العميق والبنّاء.

ولذلك، نختصر القول ونتكاتف جميعاً ونرفع أصواتنا، ونطالب الحكومة بالبدء فوراً بخطوات وإجراءات العملية الديمقراطية الحقيقية، ونطالب الحكومة بأن تكون هي نواة ومحرّك العملية الوطنية لتحقيق الديمقراطية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني