
نحو استراتيجية وطنية للمساحة الاستثمارية.. من هندسة بناء الدولة بعد الانهيار، إلى اقتصاد المرونة
تُطرح اليوم في سورية، فكرة بناء دولة ديمقراطية. لكن الديمقراطية، كمنظومة سياسية، ليست قراراً يُتخذ في قاعة اجتماع، بل هي حصيلة تفاعل معقد بين بنى سياسية ومؤسسية واقتصادية واجتماعية. وهذا ما قدمته في كتابين:
– الأول: كتاب «هندسة بناء الدولة بعد الانهيار»، انطلقت من فرضية مركزية: أن الدولة لا تُبنى من فوق، بل تُهندس من تقاطع ثلاثة أعمدة ـ الشرعية، والقدرة المؤسسية، والاقتصاد المُنتِج للموارد.
– الثاني: «كتاب نظرية اقتصاد المرونة»، وسّعت هذه الفرضية الأولى لتصبح: أن الاقتصاد الذي تستطيع دولة ما بعد الانهيار الاعتماد عليه ليس اقتصاداً جامداً يستورد نموذجاً جاهزاً، بل اقتصاداً مرناً يتشكّل وفق المتغيرات الداخلية، ويستوعب القطاع غير الرسمي والبنى الاجتماعية القائمة بدل أن يحاربها.
إن الديمقراطية لا تُبنى ثم يأتي الاقتصاد ليدعمها، بل الاقتصاد المتعدد هو الذي يخلق الحاضنة الاجتماعية للديمقراطية. وهنا يأتي دور «اقتصاد المرونة» كإطار مفسِّر: فالمجتمع السوري، بعد أكثر من عقد من الصراع، ليس مجتمعاً فارغاً ينتظر نموذجاً اقتصادياً مستورداً. والعوامل الاجتماعية ليست معطى ثابتاً، بل متغيّراً يمكن توجيهه. والدولة الديمقراطية التي لا تفهم هذا لن تُبنى.
وهناك قوى سياسية سورية تطرح اليوم فكرة الدولة الديمقراطية، لكن السؤال الواقعي: ما العوامل الاجتماعية التي تساعد على بنائها؟ وما التي تعطّلها؟
العوامل المساعدة:
1- التنوع الاجتماعي: سورية مجتمع متنوع بنيوياً (مناطق ساحلية، داخلية، شمالية، جنوبية)، وهذا التنوع، إن أُدير بمنطق المرونة، يُنتج دولة لامركزية تستجيب لخصوصيات كل منطقة. أما إن أُدير بمنطق المركزية الجامدة، فيُنتج صراعاً على الموارد.
2- شبكات المغتربين: عدد كبير جداً من السوريين في الخارج، يحملون رؤوس أموال وخبرات وشبكات علاقات. هذه ليست قوة احتياطية، بل رافعة استراتيجية لبناء اقتصاد منتج، بشرط أن تُمنح ضمانات قانونية شفافة.
3- القطاع الخاص الصغير والمتوسط: رغم الحرب، صمدت آلاف المشاريع الصغيرة. هذه القاعدة هي المادة الأولية لأي رأسمالية وطنية حقيقية، لا الرأسمالية الريعية المرتبطة بالدولة.
العوامل المعطّلة:
1- اقتصاد الحرب: الإقرار بأن تفكيك اقتصاد الحرب لا ينجح بالاقتصاد وحده، بل يحتاج إلى تسوية سياسية وضمانات أمنية وآليات استيعاب وتدجين لتلك الشبكات.
2- هشاشة الثقة: المواطن لا يثق بالمؤسسات، والمستثمر لا يثق بالقوانين. وبناء الثقة لا يأتي بخطاب، بل بمؤسسات تُثبت فعاليتها في الصغيرة قبل الكبيرة.
3- الاستقطاب الخارجي: سورية ساحة تنافس إقليمي ودولي. هذا يجعل أي استراتيجية اقتصادية رهينة أحياناً لحسابات خارجية، ما لم تُبنَ على مصالح وطنية واضحة قابلة للتفاوض مع الجميع.
الشرط الاقتصادي للدولة الديمقراطية
إن المشكلة في سورية ليست غياب الرغبة في الاستثمار، بل غياب البيئة المؤسسية التي تجعل الاستثمار ممكناً. والمفارقة أن المؤسسات التي يُفترض أن تحمي الاستثمار هي غالباً أكبر معطّل له: تعقيد الإجراءات، وتعدد الجهات، وغياب الشفافية، وتضارب القوانين، وخشية الموظف من اتخاذ القرار.
من منظور «اقتصاد المرونة»، الحل ليس في «تقليص الدولة» كما تقول الوصفات الليبرالية الجاهزة. الحل في إعادة تعريف وظيفة الدولة: من مالك ومتحكّم إلى منظّم وضامن.
هل يمكن خلق مساحة استثمارية دون معوقات مؤسسية؟
إن المعوقات المؤسسية في سورية هي نتاج عقود من المركزية والفساد واقتصاد الحرب. لا يمكن إزالتها بمرسوم. لكن يمكن تجاوزها جزئياً عبر:
1- البدء بالقطاعات الأقل تعقيداً: يجب الإقرار بأن القطاعات الأقل تعقيداً لا يمكنها النهوض بمفردها ما لم تتوفر شبكة أمان أو حلول إسعافية للطاقة والتوصيلات اللوجستية، وإلا ستبقى المشاريع حبيسة نطاق ضيق جداً.
2- الاعتماد على الشراكة مع المغتربين: هم أقل خشية من البيروقراطية لأن لديهم بدائل، وأكثر قدرة على الضغط من الخارج.
3- الاستفادة من المساعدات الدولية المشروطة بالشفافية: ليس كقروض، بل كأداة لبناء القدرات المؤسسية.
4- بناء مؤشر وطني للمرونة: يقيس دورياً جودة البيئة الاستثمارية، ويُعلَن للعموم، فيخلق ضغطاً شعبياً على المؤسسات.
المعوقات لن تُزال بالخطب، بل بالمؤسسات الصغيرة التي تُثبت جدواها، فتخلق سابقة، فتصبح قاعدة. هذا هو منطق «اقتصاد المرونة»: التغيير يبدأ من الحواف، لا من المركز. فعندما تُخلق مساحة استثمارية حقيقية، يحدث تحوّلان بنيويان:
– التحول الأول: تحوّل في توزيع السلطة: حين يصبح الاقتصاد متعدد الفاعلين، لم يعد ممكناً أن تُحتكر السلطة في مركز واحد. الرأسمالية الوطنية المنتجة، والمغتربون، والقطاع الخاص المحلي، تفرض جميعاً توزيعاً للقرار. هذا هو الأساس الاقتصادي للامركزية الديمقراطية.
– التحول الثاني: تحوّل في علاقة المواطن بالدولة: حين يجد المواطن أن الدولة تحمي مشروعه، وتضمن عقده، وتُنصفه أمام القانون، تتغيّر علاقته بها من «رعية تخشى» إلى «مواطن يطالب». وهذا هو جوهر المواطنة الديمقراطية.
إن بناء دولة ديمقراطية في سورية ليس مشروعاً سياسياً فقط، بل مشروع اقتصادي واجتماعي بالدرجة الأولى. والعوامل الاقتصادية والاجتماعية ليست خلفية لهذا البناء، بل هي التي تحدّد اتجاه تطوّر الدولة.