من يحتاج إلى الديمقراطية؟.. تحليل المصالح التي تبني الدولة وتلك التي تخشى قيامها

0 12

في خضم النقاشات الساخنة حول بناء الجمهورية الثالثة في سوريا الجديدة يبرز السؤال التقليدي «هل تريد القوى السورية الديمقراطية فعلا؟». هذا الطرح لا يتعدى كونه قشرة سطحية ويركز على ما تقوله النخب أمام الشاشات وفي الخطابات والمواقف المعلنة متجاهلاً عن قصد أو عن غير قصد شبكة المصالح العميقة والمعقدة التي تحرك المشهد من الخلف. أما السؤال الحقيقي والواقعي الذي يجب أن نطرحه اليوم وبصوت عال هو: من لديه مصلحة الحقيقية في ولادة دولة المؤسسات والقانون ومن ستتضرر وتقف عجلة مصالحه ومكتسباته؟ إضافة إلى ذلك من الذي لديه المال والسلاح والقوة لتعطيل هذا المسار؟

لنكن موضوعيين ومنطقيين، الدول الديمقراطية لا تولد من رحم الأماني الطيبة والشعارات الحماسية أو لمجرد الاعراب عن رغبتنا بها، إنها ببساطة تحتاج إلى حوامل مجتمعية وقوى حية ترى في القانون حامياً ودرعاً لمصالحها المادية الحيوية. هذا التدافع ينقل النقاش من ديمقراطية الشعارات إلى الواقعية الصلبة «الاقتصاد السياسي لبناء الدول». وفي الطرف الآخر تماماً تقف القوى التي تتغذى بنيوياً على هشاشة وضعف الدولة وتغرق في مستنقع احتكار النفوذ والمال.

من يملك مصلحة مادية وحيوية في ولادة دولة المؤسسات؟

المعيار الحقيقي لفرز القوى والناس هنا لا علاقة له بالشعارات الأيديولوجية؛ المحك الفعلي هو نمط التعامل اليومي مع المؤسسة والقانون. هناك فئات كاملة ترتبط لقمة عيشها واستمرارها بوجود بيئة تنافسية شفافة ونظيفة. نتحدث هنا عن عصب الاستقرار: الكتلة العريضة من الطبقة الوسطى المهنية، والقطاع الخاص الإنتاجي المستقل الذي يضم الأطباء والمهندسين والتجار وأصحاب المشاريع الصغيرة. هؤلاء لا يطلبون امتيازات فوق العادة، بل يبحثون عن شروط بديهية للتعافي الاقتصادي؛ قضاء مستقل، حماية للملكية الفردية، وأطر تنظيمية مستقرة تحميهم من تغول الكيانات الاحتكارية المدعومة.

إلى جانبهم، تقف الفئات التي طالما سحقتها شبكات المحسوبية والوساطة. هؤلاء الذين لا يملكون سوى كفاءتهم الذاتية وعرقهم، ويرون في الدولة القائمة على القانون بوابتهم الوحيدة للحصول على فرص عادلة وتكافؤ حقيقي. يتقاطع معهم تلقائياً ذراع المجتمع المدني والقوى السياسية الناشئة التي تحاول جاهدة مأسسة المجال العام وإخراجه من عباءة التبعية الفئوية. والحقيقة الصادمة هنا أن الانتماء لذات الخندق الطبقي لا يعني بالضرورة تطابق المصالح؛ فرجل الأعمال العصامي الذي يعتمد على آليات السوق الحرة يحتاج لقواعد صارمة وشفافة، بينما رجل الأعمال «المدعوم» الذي يقتات على الامتيازات الحصرية سيرى في ترسيخ القانون خراباً لبيته. والمشكلة الكبرى أن مجرد وجود مصلحة مجتمعية في الديمقراطية، لا يضمن تلقائياً ولادة قوى سياسية قادرة على الدفاع عنها وانتزاعها.

حكم القانون أم المحسوبية: من الخاسر الأكبر من زوال الفوضى؟

هنا لا يكمن السؤال عن «من يرفض الديمقراطية كفكرة فلسفية؟»، بل في تفتيش واقعي ومباشر: «من الخاسر الحقيقي عندما يعلو حكم القانون فوق النفوذ والمحسوبية؟». أول المتضررين هي تلك الشبكات المعقدة القائمة على اقتصاد الريع والاقتصاد الموازي؛ حيتان التهريب والاستثناءات المالية الذين يختنقون فوراً في أجواء الرقابة القضائية والمالية الشفافة.

أما الطرف الثاني، فيتمثل في تلك الكيانات والتنظيمات التي ترفض علناً وسراً المتطلبات الهيكلية للدولة. والمقياس هنا ليس طبيعة هذه السلطة إن كانت مدنية أم عسكرية، بل يكمن في سلوكها العملي على الأرض تجاه خمسة معايير لا تقبل المساومة: الاعتراف الحصري باحتكار الدولة المشروع للسلاح، الخضوع الكامل للمساواة أمام القانون، الإيمان الفعلي بالتعددية، تداول السلطة، والقبول التام بالرقابة والمساءلة. ينضم إلى هؤلاء بالطبع شبكات النفوذ القائمة على الإقصاء؛ تلك التيارات الفئوية التي توظف الهويات الطائفية أو القومية الضيقة كأدوات لاحتكار التمثيل السياسي وإقصاء الآخرين.

كيف تصبح كفاءة الخدمات والأمن هي بوابة العبور للديمقراطية؟

في مجتمعات مزقتها الحروب الطويلة، لا يعود الناس يشترون الشعارات البراقة. الجاذبية الحقيقية لأي مشروع دولة جديدة تُقاس بقدرتها الملموسة على توفير الأمن، وفرص العمل، وإعادة الخدمات الأساسية.

يزداد استعداد المجتمع لحماية الدولة القائمة على المؤسسات عندما يلمس بوضوح أن التعدد السياسي يقترن بالعدالة والاستقرار على الأرض. وفي المقابل، تندفع الكتلة البشرية المترددة مرغمة لقبول النماذج السلطوية – تحت وهم «الدولة القوية الحازمة» – إذا ارتبط التعدد في تصورها العام بالفوضى، والانفلات، والانقسام. كفاءة الأداء الخدمي والأمني هنا هي العامل الحاسم في تشكيل القاعدة المجتمعية للدولة.

الأغلبية العددية مقابل شبكات النفوذ: أين يكمن الاختبار السوري الحقيقي؟

الأزمة الحقيقية في سوريا اليوم لا تكمن في غياب المصالح المجتمعية المطالبة بدولة مؤسسات، بل في تشتت هذه المصالح وعجزها عن التحول من رغبات فردية مبعثرة إلى قوة مجتمعية صلبة ومنظمة قادرة على خلق مؤسسات تحميها. قوى الفوضى والفساد المناهضة للمأسسة تمتلك شبكات نفوذ وموارد مالية تجعل صوتها وتأثيرها يبدو أضخم بكثير من حجمها الشعبي الفعلي. وعليه، فإن حسم المعركة من أجل بناء دولة ديمقراطية في سوريا لن يحسمه «من يملك أغلبية عددية»، بل من يملك القدرة على تنظيم مصالحه الاجتماعية وتحويلها إلى قوة سياسية ومؤسسية حية، قادرة على حماية الدولة من إعادة إنتاج أنماط الحكم القائمة على الريع، أو الإقصاء الفئوي، أو السلطوية المفرطة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني