سورية ما بعد الأسد: كيف نبني دولة بلا انتقام؟

0 19

تواجه سورية اليوم واحداً من أكثر الأسئلة حساسية منذ انتهاء حقبة النظام السابق: كيف يمكن بناء دولة جديدة من دون أن تبقى أسيرة الماضي؟

هذا السؤال ليس نظرياً، بل يفرض نفسه يومياً من خلال ملفات التسويات والمصالحات التي تجريها السلطات مع أفراد وشخصيات ارتبطت بدرجات مختلفة بالنظام السابق أو بشبكات النفوذ التي نشأت في ظله. وبينما يرى بعضهم في هذه الخطوات ضرورة سياسية واجتماعية واقتصادية، يعتبرها آخرون تجاوزاً لمطالب العدالة والمحاسبة التي دفع السوريون أثماناً باهظة من أجلها.

الدول الخارجة من النزاعات الكبرى لا تُبنى بالقطيعة المطلقة، كما لا تُبنى بالتسامح المطلق. وبين هذين الحدين تقع المنطقة الرمادية التي اضطرت أمم كثيرة إلى عبورها خلال مراحل الانتقال. ففي جنوب أفريقيا لم يكن الانتقال من نظام الفصل العنصري إلى الدولة الديمقراطية ممكناً عبر محاكمة كل من استفاد من النظام السابق أو عمل ضمن مؤسساته. وفي المغرب سعت هيئة الإنصاف والمصالحة إلى التوفيق بين الاستقرار وحقوق الضحايا، عبر كشف الحقيقة ومنع تكرار الانتهاكات أكثر من السعي إلى الانتقام.

لكن سورية تختلف عن كثير من هذه التجارب. فحجم المأساة وتعقيداتها يجعل أي حديث عن المصالحة أكثر حساسية. هناك مئات آلاف الأسر التي فقدت أبناءها أو تعرضت للتهجير والاعتقال وفقدان الممتلكات، وهناك ذاكرة جماعية مثقلة بالخسائر والانقسامات. لذلك فإن أي تسوية لا تراعي هذا البعد الإنساني ستبدو للكثيرين وكأنها تجاوز للجراح لا معالجة لها.

ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: ما الغاية من المصالحة؟

إذا كانت المصالحة مجرد وسيلة لإغلاق الملفات أو إعادة إنتاج النفوذ القديم بأسماء جديدة، فإنها ستفقد مشروعيتها الأخلاقية والسياسية. أما إذا كانت جزءاً من رؤية وطنية تهدف إلى إعادة دمج المجتمع واستعادة الأموال المنهوبة وبناء اقتصاد قادر على النهوض، فإنها تصبح خياراً يستحق النقاش.

ولا يمكن إنكار أن سورية تحتاج اليوم إلى كل طاقاتها البشرية والاقتصادية. فالبلاد خرجت من سنوات طويلة من الحرب وهي تعاني من تراجع كبير في البنية التحتية والاستثمار وفرص العمل. ومن الطبيعي أن تسعى الدولة إلى استعادة الرساميل والخبرات الموجودة داخل البلاد وخارجها. غير أن هذه الحاجة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاهل الأسئلة المتعلقة بمصدر الثروات أو بالمسؤوليات القانونية والأخلاقية لأصحابها.

المشكلة الأبرز في التجربة الحالية ليست بالضرورة في وجود المصالحات، بل في محدودية المعلومات المتاحة حولها. فالمواطن لا يعرف الكثير عن طبيعة الاتفاقيات، أو معاييرها، أو حجم الأموال المستعادة أو الضمانات التي تمنع تحول التسويات إلى بوابة جديدة للنفوذ والمحسوبية.

وفي الدول التي نجحت نسبياً في إدارة مراحل الانتقال، كانت الشفافية جزءاً أساسياً من بناء الثقة. فالناس قد تختلف حول القرارات، لكنها تكون أكثر استعداداً لتقبلها عندما تعرف أسبابها وحدودها وأهدافها. أما حين تغيب المعلومات، فإن الفراغ تملئه الشائعات والشكوك.

وإذا كان للدولة الحق في البحث عن الاستقرار، فإن للضحايا أيضاً الحق في معرفة الحقيقة. لذلك فإن نجاح أي مشروع للمصالحة في سورية لن يقاس بعدد التسويات أو الملفات المغلقة، بل بقدرته على تحقيق معادلة صعبة: استقرار من دون إفلات من المسؤولية، وعدالة من دون انتقام، ومستقبل من دون إنكار للماضي.

لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية، ومن حق السوريين أن يطمحوا إلى دولة يحكمها القانون والثقة العامة. وعندها فقط يمكن للمصالحة أن تكون بداية طريق جديد، فالأمم لا تتقدم عندما تنسى ماضيها ولا عندما تبقى أسيرة له، بل عندما تمتلك الشجاعة للنظر إليه بصدق.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني