
كيف نبني دولةً قويةً بعد الدمار (2-6)
نستكمل هذه القراءة المهمة عن كيفية بناء دولة قوية وننتقل للمرحلة الثانية:
2- المصالحة الوطنية:
تترك الحروب جروحاً وانقسامات على خلفيات عديدة لكننا نستطيع معالجتها عبر:
أ- محاكمات عادلة
ب- حوارات مجتمعية
ج- تعويضات للمتضررين
إن المصالحة الوطنية ليست حفلة تصوير ولا توقيع ورقة بل هي عملية جراحية للذاكرة الجماعية وهي تأخذ وقتاً قد يكون طويلاً وتفشل إذا استعجلنا في التطبيق دون دراسة
وقد تعلمنا من نماذج سابقة في رواندا وجنوب إفريقيا والبوسنة أننا كي ننجح علينا اتباع الخطوات الخمس التالية بالترتيب:
1- الحقيقة قبل الصفح:
الناس لن تسعى للصلح وهي تشعر أن (دم أهلها ذهب هدراً) بل تنتظر الاعتراف أولأً.
2- لجنة حقيقة ومصالحة:
وهي ليست محكمة بل منبر وطني (الضحية تسرد قصتها، والجلاد يعترف بجريمته) والهدف هنا ليس الانتقام إنما الهدف أن نعرف جميعاً ما الذي جرى بالضبط كي لا يعيش الكذب والشائعات 100 سنة قادمة من اجترار الألم…
3- ذاكرة مشتركة:
يجب على الجميع التشارك في متحف أو يوم وطني لذكرى الضحايا من الجميع لأننا عندما نعلّم الأطفال أن الجميع خسر في المرحلة الماضية عندها سنجد أن الكراهية تضعف بين الأطراف المتصارعة.
4- العدالة التي تفرق بين كبار المجرمين وصغار المجرمين:
لو حاكمت الدولة جميع من شارك في الجرائم في نفس الوقت فإن النتيجة ستكون أنهم سيستمرون في قتالها بسبب شعورهم أن مصيرهم محتوم ولو سامحت الدولة جميع من شاركوا في الجرائم فإن الناس ستنقلب عليها بسبب شعورها بالظلم وبأن الدولة أضاعت حقوق الضحايا وعائلاتهم.
وهنا نذكر كمثال مدينة حمص التي حازت لقب (عاصمة الثورة) و(عاصمة الجروح) في آن معاً لما مرَّ عليها من أشكال الحرب وألوانه (حصار، تهجير، ثأر طائفي، تفجيرات).
في حمص مثلاً نرى أنه لا تكفي مصالحة النُخب فقط بل يجب البدء من الأسفل للأعلى كي نصل إلى النتائج المطلوبة.
ولذلك تكون المُصالحة فيها مبنية على نسيجها على النحو التالي:
البدء بالأحياء المُختلطة قبل غيرها:
مثل الحميدية والنزهة والأرمن، حيث نبدأ بافتتاح أسواق مُشتركة لأن المصالح المُشتركة أقوى من الخُطب أحياناً.
ثم ننتقل للتركيز على المدارس التي يرتادها طلاب من عدة أطراف للنزاع لأن صديق الدراسة لن يتحول إلى عدو بسهولة.
ملف المفقودين والدمار:
من المعروف أن الوجع الأكبر في حمص حالياً يبدأ من الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية فيها والذي يجعل جراح أهلها تنزف يومياً بسبب الضائقة التي يعيشونها بسبب ذلك الدمار ويزيد الألم عدد كبير من الأهالي تم تصنيفهم كمفقودين حيث لم يتم العثور على جثثهم ولا أسماء لهم بين المعتقلين يُضاف إلى ذلك الأهالي الذين لم يستطيعوا العودة من رحلة التهجير القسري حتى يومنا هذا والحل برأيي يكمن في عدة بنود أذكر منها:
لجنة محلية للمفقودين:
غير حكومية لكنها بإشراف السطات المحلية وتضم وجهاء ونشطاء ومنظمات مدنية محلية (بشرط أن يكون هؤلاء الأشخاص مقبولين من جميع الأطراف) ومهمة اللجنة كشف المصير وليس المحاكمة إذ أن بعض العائلات تبحث عن مصير أفرادها حتى لو كان الجواب أنه (مات).
إعادة ممتلكات شفافة:
تعمل اللجنة التي تم تشكيلها على توثيق العقارات عبر الأوراق والشهود وتعيد كل عقار تم الاستيلاء عليه لصاحبه بغض النظر عن الانتماء والتبعية، لأن عودة البيوت تعني قراراً بالعودة إلى الحي والحياة.
عدالة محلية (يفهمها أهل حمص):
تبدأ اللجنة بحل بعض القضايا البسيطة دون تحويلها للقضاء مثل السرقة أو اعتداء لفظي أو تخريب ممتلكات وتقوم السلطات بتوثيق هذا الصلح وكتابة تعهُّد بعدم تكرار الحادثة وهكذا نبني جسراً بين العُرف والقانون مع مراعاة نشر ثقافة (محاربة التعميم) بالإضافة إلى محاسبة علنية للمجرم الذي خطف وقتل واغتصب والتركيز على أنه لا يمثل حيه أو طائفته بالكامل.
العمل على كسر جغرافيا الخوف:
تبرز في هذه الحالة براعة ممثل السلطة في حمص حيث أن الخوف يتلاشى عندما تذهب الأم بطفلها المريض لتعالجه في حي كان عدواً خلال الفترة الماضية ويبدأ العيش المشترك بالظهور عندما تنجح الدولة في إشراك جميع الأطراف خلال مهرجان أو احتفال أو فعالية يشعر الجميع أنها تخدم مصالحهم المشتركة.
على مبدأ (الفرح دواء يُناسب الجميع)
5- تعميم خطاب ديني مشترك:
على الدولة هنا العمل على كتابة ميثاق شرف لرجال الدين باختلاف أديانهم وطوائفهم يوقّع الجميع فيه على حُرمة قتل أي شخص لأي شخص بسبب دينه أو اعتقاده أو انتماءه العرقي أو السياسي لأن الكلمة الموحدة للمنابر المختلفة تعطي الناس رسالة قوية أن النسيج متماسك وقوي ومتضامن.
في النهاية أرى من الحكمة في هذه المرحلة إطلاق شعار: لا نطلب منك أن تنسى بل نطلب منك ألا تكون قاتلاً.