
إيران تبتلع الطعم
هل كانت الهدنة فرصة للسلام… أم اختباراً استراتيجياً كشف حقيقة السلوك الإيراني؟
في العلاقات الدولية، لا تُقاس السياسات الكبرى بما يقال في المؤتمرات الصحفية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإنما بما تنتجه من نتائج على الأرض، فكثيراً ما تبدو تصريحات القادة متناقضة أو متبدلة، بينما تكشف الأحداث اللاحقة أنها كانت حلقات في استراتيجية أكبر، صيغت بعناية لتحقيق أهداف تتجاوز ظاهر الخطاب السياسي.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التطورات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها أكثر من مجرد هدنة مؤقتة أو جولة تفاوض جديدة.
فالتسلسل الزمني للأحداث يفتح الباب أمام قراءة استراتيجية تستحق التوقف عندها، مفادها أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ربما لم تتخلَّ عن خيار القوة، وإنما أعادت ترتيب أولوياتها، واضعةً نصب أعينها هدفاً أكثر أهمية: بناء إجماع دولي يمنح أي تحرك لاحق شرعية سياسية ودبلوماسية أوسع.
عندما أعلن ترامب تعليق التصعيد العسكري، ووافق على هدنة تمتد ستين يوماً لإفساح المجال أمام المفاوضات، بدا المشهد للكثيرين وكأنه تراجع أمريكي، أو اعتراف بعدم جدوى المواجهة، غير أن هذا التفسير قد يكون متسرعاً.
فالولايات المتحدة لم تكن تفتقر إلى القدرة العسكرية، لكنها كانت تفتقر إلى التأييد الدولي الكافي لمواجهة طويلة مع إيران، خاصة أن عدداً من الحلفاء الأوروبيين أبدوا تحفظات واضحة على توسيع دائرة الحرب.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي مهم:
هل كانت الهدنة هدفاً بحد ذاتها، أم كانت وسيلة لاختبار سلوك القيادة الإيرانية أمام العالم؟
وفق هذه القراءة، يمكن النظر إلى الهدنة باعتبارها اختباراً سياسياً مزدوجاً.
فإذا التزمت طهران بتعهداتها، فإن باب الحلول الدبلوماسية سيبقى مفتوحاً، وستجد واشنطن نفسها مضطرة لمواصلة التفاوض، أما إذا اختارت إيران التصعيد أو خرق التفاهمات، فإنها ستكون قد قدمت بنفسها الدليل الذي تحتاجه الولايات المتحدة لإقناع حلفائها بأن المشكلة ليست في السياسة الأمريكية، بل في طبيعة السلوك الإيراني.
ويبدو أن الأحداث الأخيرة عززت هذا الاحتمال. فاستهداف سفينة تجارية قرب السواحل العُمانية، بينما كانت الهدنة لا تزال قائمة، أعاد إلى الواجهة ملف أمن الملاحة الدولية، وأثار موجة جديدة من القلق بشأن استقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبغض النظر عن السجال السياسي حول المسؤوليات، فإن النتيجة السياسية كانت واضحة؛ إذ عاد المجتمع الدولي ليتساءل:
هل يمكن الوثوق باستمرار أي تفاهم مع دولة تُتهم بتهديد حركة التجارة العالمية في خضم مسار تفاوضي؟
وهنا تحديداً يمكن القول إن إيران، إذا صحت هذه القراءة، قد ابتلعت الطُّعم
فالرسائل التي أرادت طهران إيصالها باعتبارها تعبيراً عن القوة والردع، قد تكون تحولت إلى مادة سياسية استثمرتها واشنطن لإعادة تشكيل المزاج الدولي.
فالدول الكبرى لا تبني مواقفها فقط على ميزان القوة العسكرية، بل أيضاً على أمن التجارة العالمية واستقرار أسواق الطاقة وسلامة سلاسل الإمداد، وهي ملفات تتجاوز حدود الخلاف الأمريكي الإيراني.
ولذلك، فإن أي تهديد للملاحة في الخليج لم يعد يُنظر إليه بوصفه أزمة إقليمية، وإنما باعتباره تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، جاءت جولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى عدد من العواصم الخليجية بعد توقيع مذكرة التفاهم، في خطوة يمكن فهمها ضمن عملية تنسيق سياسي وأمني مع الحلفاء، وتقييم للمرحلة المقبلة في ضوء التطورات المتسارعة.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي سياسة ناجحة تجاه إيران لا يمكن أن تنجح من دون شراكة وثيقة مع الدول الخليجية، التي تبقى الأكثر تأثراً بأي تصعيد، والأكثر ارتباطاً بأمن الطاقة العالمي.
في المقابل، تبدو إيران وكأنها لا تزال تراهن على مضيق هرمز باعتباره ورقة ضغط استراتيجية.
إلا أن هذا الرهان ينطوي على مخاطر متزايدة، لأن المضيق ليس ممراً وطنياً يخضع لإرادة دولة واحدة، بل هو ممر دولي تحكمه قواعد القانون الدولي للبحار، بما يضمن حرية الملاحة والمرور العابر.
ولذلك، فإن أي محاولة لتحويله إلى أداة ابتزاز سياسي أو اقتصادي ستدفع المجتمع الدولي إلى مزيد من التماسك في مواجهة هذا السلوك.
ويختلف مضيق هرمز قانونياً عن القنوات الاصطناعية، مثل قناة السويس أو قناة بنما، إذ إن تلك القنوات تنظمها اتفاقيات خاصة تسمح بفرض رسوم عبور، بينما لا يمنح القانون الدولي أي دولة حق فرض رسوم أو قيود أحادية على السفن العابرة في المضائق الدولية.
لكن التهديد الذي تمثله إيران اليوم لا يقتصر على الملاحة البحرية وحدها، بل يتجاوزها إلى ملف أكثر حساسية، هو البرنامج النووي الإيراني.
فوفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تفصلها تقنياً مسافة قصيرة عن مستوى التخصيب اللازم لإنتاج سلاح نووي إذا اتخذ القرار السياسي بذلك.
ويرى كثير من الخبراء أن العقبة الأساسية لم تعد تقنية بقدر ما أصبحت سياسية، وأن مسألة امتلاك إيران لقدرة نووية عسكرية قد تتحول إلى مسألة وقت إذا انهارت المفاوضات بصورة نهائية.
ولا يقف القلق الدولي عند هذا الحد، فإيران تمتلك بالفعل واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ الباليستية في المنطقة، وهي وسائل إيصال قادرة – من الناحية العسكرية – على حمل رؤوس بعيدة المدى.
وعندما تجتمع القدرات الصاروخية مع برنامج نووي متقدم، إلى جانب القدرة على التأثير في أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فإن المجتمع الدولي يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد.
فما الذي تبقى من عناصر القوة الاستراتيجية التي يمكن أن تمتلكها دولة تسعى إلى فرض وقائع جديدة في الإقليم؟
هنا تحديداً يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا انهارت الهدنة، فمن سيطلق شرارة المواجهة المقبلة؟
تشير بعض التقديرات الصادرة عن مراكز أبحاث إسرائيلية، ومنها معهد بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية، إلى أن المواجهة العسكرية الواسعة مع إيران قد تكون مؤجلة، وأن إعطاء المسار الدبلوماسي فرصة أخيرة لا يعني إسقاط الخيار العسكري من الحسابات، بل تأجيله إلى حين اتضاح مصير المفاوضات حول البرنامج النووي.
وإذا صحت هذه القراءة، فإن الملف النووي قد يتحول إلى العامل الحاسم في تحديد مستقبل المنطقة.
فإذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، واقتنعت القوى الغربية بأن الوقت اللازم لمنع إيران من التحول إلى دولة تمتلك سلاحاً نووياً أصبح ينفد، فإن احتمالات الانتقال إلى مرحلة أكثر صرامة ستزداد بصورة كبيرة. وهنا تكمن المفارقة.
فعند بداية الأزمة، كانت واشنطن تواجه صعوبة في إقناع كثير من شركائها بجدوى التصعيد، أما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفاً.
فمع كل حادثة تستهدف الملاحة الدولية، ومع كل تصعيد جديد، تزداد القناعة لدى عدد متزايد من الدول بأن المشكلة لم تعد مقتصرة على خلاف سياسي بين واشنطن وطهران، وإنما باتت تمس أمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة، ومنع الانتشار النووي، والاستقرار الإقليمي والدولي.
ولا يعني ذلك أن قرار الحرب أصبح محسوماً، أو أن إسقاط النظام الإيراني بات هدفاً وشيكاً، فمثل هذا القرار يبقى رهناً بحسابات سياسية وعسكرية معقدة.
لكن المؤكد أن استمرار التصعيد الإيراني قد يمنح الولايات المتحدة ما كانت تفتقده في بداية الأزمة: شرعية سياسية أوسع، وتأييداً دولياً أكبر، وهامش حركة أوسع إذا قررت الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة أكثر حزماً
قد تكون إيران اعتقدت أنها أظهرت صلابة في مواجهة الضغوط الأمريكية، لكنها إذا صحت هذه القراءة الاستراتيجية ربما تكون قد ارتكبت خطأً في تقدير طبيعة المرحلة.
فبدلاً من إضعاف الموقف الأمريكي، قد تكون ساهمت في تعزيز حجمه أمام العالم، وفي إقناع المترددين بأن السلوك الإيراني بات يمثل تحدياً يتجاوز حدود الشرق الأوسط.
وفي السياسة، كثيراً ما لا تكون أخطر الأخطاء تلك التي يرتكبها الخصم، بل تلك التي يرتكبها اللاعب بنفسه وهو يظن أنه يناور بذكاء.
وعندها، لن يكون من المبالغة القول إن إيران لم تقع في فخ عسكري، بل في فخ سياسي واستراتيجي قد تكون هي نفسها قد ساهمت في إحكامه.. ولذلك، قد يكون العنوان الأدق لما جرى خلال الأسابيع الماضية هو «إيران… تبتلع الطعم».