
الشرع يرسم ملامح سوريا الجديدة
في شرق أنهكته الحروب وتبدلت فيه موازين القوة، تقف سوريا أمام اختبار تاريخي: كيف تنتقل من مرحلة إدارة آثار الصراع إلى مرحلة بناء الدولة؟ سؤال حمله الرئيس السوري أحمد الشرع في حواره مع الإعلامي طوني خليفة، مقدماً تصوراً لسوريا ما بعد الحرب يقوم على إعادة تعريف دور دمشق داخلياً وإقليمياً، عبر التنمية والاستقرار والشراكات الاقتصادية بدلاً من منطق النفوذ والصدام.
الرسالة الأساسية في خطاب الشرع أن سوريا الجديدة لا تبحث عن استعادة نموذج الماضي، ولا عن إعادة إنتاج علاقات قائمة على الهيمنة، بل عن بناء دولة تكون فيها المؤسسات والاقتصاد والسيادة ركائز المرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق جاء الملف اللبناني في صدارة الحوار، باعتباره الاختبار الأبرز لطبيعة السياسة السورية الجديدة.
أكد الشرع أن العلاقة مع لبنان يجب أن تنتقل من مرحلة التدخلات إلى مرحلة الشراكة، مشدداً على أن لبنان دولة مستقلة وأن معالجة أزماته يجب أن تكون عبر مؤسساته والقرار اللبناني الداخلي، لا عبر أي وصاية خارجية. كما نفى أي عودة للدور العسكري السوري في لبنان، معتبراً أن التجارب السابقة أثبتت أن التدخلات لم تنتج سوى مزيد من الأزمات.
وفي مقاربته لملف حزب الله، اختار الشرع لغة سياسية مختلفة؛ فهو اعترف بحجم الجرح السوري خلال سنوات الحرب وبالدور الذي لعبته قوى إقليمية مختلفة، لكنه أكد أن الدول لا تُدار بمنطق الانتقام. فالحوار، بحسب رؤيته، يبقى الطريق الوحيد لمنع انفجارات جديدة، لأن إغلاق أبواب السياسة لا يؤدي إلا إلى استمرار الصراع.
وفي رسالة واضحة إلى الداخل اللبناني، ميّز الشرع بين حزب الله كتنظيم سياسي وعسكري وبين البيئة الشيعية اللبنانية، رافضاً تحميل طائفة كاملة مسؤولية خيارات قوة سياسية. وأكد أن أي حل في لبنان يجب أن يحفظ وحدة المجتمع اللبناني ويمنع منطق الإقصاء والغلبة.
أما ملف السلاح خارج الدولة، فقد وضعه الشرع ضمن إشكالية بناء الدولة نفسها، معتبراً أن أي دولة يصبح بناؤها صعباً عندما توجد قوة تمتلك قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية. لكنه في الوقت نفسه رفض منطق المواجهة الصفرية، متسائلاً لماذا يبقى لبنان محصوراً بين خيار الحرب الداخلية أو الحرب مع إسرائيل، داعياً إلى البحث عن “خيار ثالث” يقوم على التوافق والحوار وإعادة بناء الثقة.
التحول الأبرز في خطاب الشرع ظهر عند انتقاله من الأمن إلى الاقتصاد. فقد قدم رؤية تقوم على استبدال خطوط الصراع بخطوط التنمية، معتبراً أن مستقبل العلاقة السورية – اللبنانية يجب أن يقوم على التكامل الاقتصادي لا على الحسابات العسكرية.
واستعاد الشرع الجغرافيا المشتركة بين البلدين، مشيراً إلى أن بيروت كانت تاريخياً الواجهة البحرية لدمشق، وأن طرابلس شكلت منفذاً طبيعياً لحمص، معتبراً أن الجغرافيا التي تحولت سابقاً إلى مصدر توتر يمكن أن تصبح اليوم أساساً للتعاون.
كما تحدث عن موقع سوريا كحلقة وصل إقليمية بين الشرق والغرب، وعن مشاريع اقتصادية مع دول عربية وإقليمية، مؤكداً أن لبنان يمكن أن يكون شريكاً أساسياً في هذه المنظومة إذا تجاوز أزماته الداخلية. وفي هذا السياق، طرح ملفات الطاقة والنقل والتجارة والمصارف كمساحات تعاون بديلة عن العلاقة الأمنية التقليدية.
في ملف السلام، رفض الشرع اختزال القضية في توقيع اتفاقات سياسية فقط، مؤكداً أن السلام الحقيقي يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات قادرة وقرار سيادي واضح. فالاتفاقات التي لا تستند إلى استقرار فعلي على الأرض تبقى هشة وقابلة للانهيار، لأن جوهر المشكلة يبدأ من الداخل قبل أن يصل إلى الخارج.
وعلى المستوى السوري الداخلي، رسم الشرع صورة لمرحلة انتقالية من التعافي إلى البناء، موضحاً أن التنمية أصبحت خياراً استراتيجياً لا مجرد برنامج اقتصادي مؤقت. وتحدث عن إصلاحات تشمل الإدارة والخدمات والتعليم والقطاع المصرفي والإنتاج، بهدف تحويل الاقتصاد إلى محرك رئيسي لإعادة بناء الدولة واستعادة ثقة السوريين.
كما شدد على أن سوريا الجديدة لا تريد أن تكون طرفاً في زيادة الانقسام اللبناني، بل تسعى إلى دور إيجابي يساعد على الاستقرار. وأكد أن أمن سوريا ولبنان مترابط بحكم الجغرافيا، وأن أي اضطراب في أحد البلدين ينعكس مباشرة على الآخر.
في جوهر خطابه، قدم أحمد الشرع معادلة مختلفة لسوريا والمنطقة: لا عودة إلى الوصاية، لا حلول عسكرية للأزمات المزمنة، ولا بناء مستقبل عبر السلاح، بل عبر الدولة والحوار والتنمية والشراكات الاقتصادية.
لكن بين الرؤية والواقع مسافة طويلة، فسوريا والمنطقة تحملان إرثاً ثقيلاً من الحروب والانقسامات وانعدام الثقة. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة مشروع سياسي جديد، بل في القدرة على تحويله إلى واقع يشعر به المواطن السوري واللبناني معاً.
بين أنقاض الماضي وطموحات المستقبل، تطرح سوريا الجديدة نفسها أمام اختبار كبير: هل تنجح في الانتقال من إدارة آثار الحرب إلى صناعة نموذج مختلف للمشرق العربي، أم أن ذاكرة الصراعات ستبقى أقوى من محاولات بناء الدولة والاستقرار؟