العدالة والتنمية

0 14

يكاد الناس أن يجمعوا على اتهام الحكومة الانتقالية بتجاهل كل أشكال العدالة الأساسية، وتجاهل القوانين الوطنية والدولية ذات الصلة. وهو أمر محزن ومخز، يكاد يضيع كل أهداف الثورة التي ضحى من أجلها السوريون بكل غال ونفيس.

لا يكفي أن تتذرع الحكومة الانتقالية الحالية بأن اهتمامها تحقيق الأمن أولاً. فهو واجب أساسي أمام كل حاكم. لكن تحقيق التنمية بعدالة هو الهدف الأسمى التالي لكل سلطة مهما كان اسمها.

التلازم بينهما

قد تتحقق التنمية ويرتفع النمو الاقتصادي تحت حكم ديكتاتوري أو فاسد ولكنه كمن يقف على حافة جرف نهري متلاطم الأمواج، سينهار ويجرفه الموج والاضطرابات المجتمعية وكأن شيئاً لم يكن، مالم تكن تلك التنمية مبنية على العدالة بكل أنواعها: الاقتصادية، الاجتماعية، القضائية، والأخلاقية (العدل أساس الملك) وهي مقولة الدولة القوية لا تقوم إلا على العدالة بين أبنائها على الأقل.

العدالة القضائية أولاً

نعم. يجب أن تقام العدالة الانتقالية اليوم وليس غداً وفقا للمعايير الدولية والشفافية. وعلى الحكومة التوقف عن هذه المحاكمات الإعلامية فهي تسيء إلى قضية الثورة وإلى شرعية الحكومة نفسها ويجب أن تقام وفقاً للشفافية والعدالة الدولية.

العدالة بكل أشكالها ليست هامة فقط بل ضرورية للبقاء السياسي والبشري. وحالياً تتردد عبارة (العدالة الانتقالية) بوصفها أحد أعمدة إعادة بناء الدولة السورية بعد الدمار الشامل الذي لحق بها قبل سقوط النظام البائد. وطبعاً هذه العدالة وفق منظور الثورة هي مفتاح السلم الأهلي والنهوض الاقتصادي لأنها تعطي ثقة للناس بأن يعمروا ديارهم وبلادهم، والحكومة لن تتوانى عن إحقاق الحقوق. وللأسف هذا المفهوم الجميل للعدالة قد شوهته إجراءات الحكومة المتساهلة مع مجرمي الحرب.

وزارة العدل احزمي أمرك

ذكرنا بالاسم وزارة العدل لأنها الجهة القانونية والإدارية المخولة القادرة على إقامة محاكم العدالة الانتقالية خاصة وأنه يرأسها وزير حازم.

هذا التساهل أفقد الناس ثقتهم بجدية الحكومة بتطبيق العدالة، وأولى الضحايا هم المغدور بهم سابقاً، والضحية الثانية هي انهيار الثقة بين الناس من جهة والحكومة من جهة ثانية، ما أدى إلى إحجام المستثمرين عن أي استثمار وطني أو أجنبي.

والأهالي حالياً يقومون فقط بإعمار ما يضمن الحد الأدنى لهم من السكن، وبالتالي عندما يشعر الناس أن العدالة غير مضمونة فان كل متطلبات السلم الأهلي القائم على العدالة والعيش الكريم تكون قد تلاشت فعلاً وتدخل البلد في دوامة العنف ثانية.

العدالة الاقتصادية ثانياً

الحكومة الانتقالية ملزمة اليوم بإعلان خطتها ونيتها تطبيق العدالة الاقتصادية للمواطنين، ولا يكفي الإعلان بإجراءات دعائية عن مشاريع فاخرة للنخبة الغنية على حساب الأغلبية الفقيرة. هذه وصفة الخراب طويل الأجل.

ولكن لماذا العدالة الاقتصادية ثانياً؟ لأنه بعد تطبيق العدالة القضائية (الانتقالية، السياسية، والسيادية) فإن ما يضمن استقرار السلم الأهلي بين المواطنين هو على المدى المتوسط والطويل الأجل، تحقيق شكل من العدالة الاقتصادية بحيث تتم محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة. ثم الانتقال إلى (خطة وطنية إنمائية) تمكن كل المواطنين من الحصول على فرصة بالتنعم بخيرات بلدهم. وهذا لمواجهة مشاكل الفقر والبطالة والتوزيع العادل للثروة من خلال الدعم الاقتصادي والضرائب ومؤسسات العدالة الاقتصادية. وهذه ليست قضية ثانوية في علم استقرار الدولة وكأنه يكفيها جرة قلم واحدة من الرئيس لتتم. لا بل هي جهد عظيم متواصل لعقود حتى يتحقق الحد الأدنى من العدالة بما يضمن عدم زعزعة السلم الأهلي بسبب التباين الشديد في دخل الأفراد بنفس البلد والحارة وبنفس المهنة.

التنمية العادلة تبني دولة قوية

كلما كانت العدالة تامة ظهرت على الدولة ملامح القوة والنفوذ. فلننظر إلى تجارب تاريخنا الإسلامي وإلى تجارب غيرنا من الأمم لنجد أن النجاح كان حليف الدول التي تبنت العدالة مصحوبة بجهد التنمية في أقسى حالاتها. نعم، تسعى لحماية القضاء (العدالة بشكلها المألوف) ليبقى المجتمع متماسكاً مزدهراً.

وتاريخياً كان هذا الربط يتمثل في أشخاص القادة من الخلفاء والملوك والسلاطين، اما اليوم فإننا نسعى إلى بناء مؤسسات دائمة تحمي العدل والتنمية.

زبدة الكلام.. لا رفاهية بدون العدالة

حتى لا نكرر أهمية ما ذكرناه عن التلازم بينهما، نعود ونقول إننا كلنا أفراداً ومجموعات نسعى إلى الرفاهية التامة في حياتنا، مال سكن ترفيه…

ولكننا ننسى أن العدالة الحقيقية بين الناس هي من يضمن دوام الرفاهية. وإلا أصبحت مثل غنيمة قطاع الطرق لا يستمتعون بما غنموا لأنهم يعرفون متى يقبض عليهم ثانية ويخسرون كل شيء.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني