
العقد الاجتماعي التنموي الجديد لسوريا (3)
من دولة الريع إلى دولة الفرص
في اللحظة التي تبدأ فيها سوريا رحلة ما بعد الحرب، لا يكون السؤال الحقيقي: كيف نعيد إعمار ما تهدّم؟ بل: أي دولة نريد أن نعيد بناءها؟
فالدول لا تنهض بالإسمنت والحديد وحدهما، بل بالعلاقة التي تربط الدولة بمواطنيها، وبالطريقة التي تُدار بها الثروة، وتُوزَّع بها الفرص، ويُعاد بها تعريف معنى المواطنة.
ولأن العقد الاجتماعي القديم – القائم على المركزية والريع والولاء السياسي – قد وصل إلى حدود عجزه البنيوي قبل أن ينهار النظام نفسه، فإن سوريا تقف اليوم أمام خيار تاريخي:
إما أن تنتقل من دولة توزّع الموارد إلى دولة تنتج الفرص، أو أن تعيد إنتاج أسباب أزمتها من جديد.
ومن هنا ينطلق السؤال المركزي لهذه المقالة:
كيف يمكن لسوريا أن تبني عقداً اجتماعياً تنموياً جديداً يجعل من الفرص أساساً للاستقرار، ومن الإنتاج أساساً للشرعية؟
لماذا تحتاج سوريا إلى عقد اجتماعي جديد؟
لم يعد العقد الاجتماعي القديم قادراً على إنتاج الاستقرار أو التنمية. فقد استند لعقود إلى ثلاثة أعمدة رئيسية: ريع سياسي يقوم على الولاء أكثر مما يقوم على الكفاءة، وريع اقتصادي يركّز على توزيع الموارد أكثر من خلق القيمة، ومركزية مفرطة حوّلت الأطراف إلى خزانات بشرية واقتصادية دون تمكينها من المشاركة الفعلية في صنع التنمية.
لكن الإشكالية الأعمق تمثلت فيما يمكن تسميته البطالة المُصنَّعة عبر التوظيف الاجتماعي الريعي.
فعلى مدى عقود، جرى التعامل مع التوظيف العام بوصفه أداة للرعاية الاجتماعية وضمان الاستقرار السياسي أكثر من كونه استجابة لحاجات الاقتصاد والإنتاج. وأسهمت هذه المقاربة في خلق اعتماد واسع على الدولة، وإضعاف القطاعات الإنتاجية، وتحويل الوظيفة العامة إلى أداة سياسية، وتكريس اقتصاد منخفض الإنتاجية، وإقصاء أجيال واسعة من الشباب عن دورة العمل الحقيقي.
ولا يتعلق الأمر بالنوايا بقدر ما يتعلق بالنتائج المتراكمة لسياسات ريعية عمّقت البطالة بدل معالجتها.
ولهذا فإن أي عقد اجتماعي جديد يجب أن يبدأ من هنا: تفكيك البطالة المُصنَّعة وبناء اقتصاد يولّد فرصاً حقيقية.
ما هو العقد الاجتماعي التنموي؟
العقد الاجتماعي التنموي ليس وثيقة سياسية فحسب، بل اتفاقاً ضمنياً بين الدولة والمجتمع حول السلطة والثروة والفرص والثقة. وهو لا يعد المواطنين بالوظائف، بل ببناء اقتصاد قادر على خلقها.
لماذا يشكل الشرق السوري نقطة الانطلاق؟
يشكل الشرق السوري نقطة انطلاق طبيعية لهذا العقد الجديد، ليس فقط لما يمتلكه من موارد ومساحة وكتلة بشرية، بل لأنه يجسد في الوقت نفسه معظم الاختلالات التي راكمها النموذج السابق ومعظم الفرص التي يمكن أن يُبنى عليها النموذج الجديد.
من دولة الريع إلى دولة الفرص
يقوم العقد الاجتماعي التنموي الجديد على أربعة أركان مترابطة:
• عقد للثروة يحول الموارد إلى قيمة مضافة.
• عقد للسلطة يوازن بين وحدة الدولة وفاعلية الأقاليم.
• عقد للفرص يجعل التشغيل والإنتاج محور السياسات العامة.
• عقد للثقة يعيد بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
وتلتقي هذه العقود الأربعة جميعها عند هدف واحد: بناء اقتصاد إنتاجي قادر على خلق القيمة وفرص العمل.
الإنتاج بوصفه جوهر العقد الجديد
لا يمكن بناء عقد اجتماعي جديد دون اقتصاد إنتاجي قادر على خلق القيمة وفرص العمل. ويشمل ذلك الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والتحويلية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والخدمات اللوجستية وسلاسل القيمة.
وجوهر هذا الاقتصاد ليس النفط أو الأرض فقط، بل الإنسان نفسه. فالمهارات والمعرفة وريادة الأعمال هي رأس المال الحقيقي لأي عملية تنموية مستدامة.
أدوات التنفيذ
ويتطلب ذلك مجموعة من الأدوات العملية، تشمل صناديق التنمية المحلية، والموازنات التشاركية، وضمانات الاستثمار، والإصلاح الإداري، وبرامج التشغيل القائمة على المهارات، وتعزيز الشفافية والمساءلة المحلية.
المخاطر المحتملة
غير أن نجاح هذا التحول ليس مضموناً، إذ يواجه تحديات تتعلق بالبيروقراطية المركزية، وضعف الثقة، والانقسام السياسي، ونقص التمويل، واتساع الاقتصاد غير الرسمي.
إعادة بناء الدولة السورية
العقد الاجتماعي التنموي ليس مشروعاً للشرق السوري فقط، بل مشروع وطني لإعادة بناء الدولة السورية.
إنه يعيد تعريف المواطنة، ويعيد توزيع السلطة، ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لاقتصاد إنتاجي أكثر قدرة على خلق الفرص، ويضع سوريا على مسار استقرار طويل الأمد.
وهو في جوهره ليس عقداً للمرحلة الانتقالية فقط، بل عقد للقرن الحادي والعشرين.
من الدولة التي توزّع إلى الدولة التي تُنتج
لقد أثبتت التجربة أن الدول لا تستقر لأنها تملك الموارد، بل لأنها تملك عقداً عادلاً لإدارتها. وفي سوريا الجديدة لن يكون السؤال من يملك الثروة، بل كيف تتحول الثروة إلى فرص، وكيف تتحول الفرص إلى استقرار، وكيف يتحول الاستقرار إلى دولة قادرة على البقاء.
فالانتقال من دولة الريع إلى دولة الفرص ليس برنامجاً اقتصادياً فحسب، بل مشروعاً لإعادة تأسيس العلاقة بين السوريين ودولتهم في القرن الحادي والعشرين.