
احتجاجات العمال وسياسة الدولة والاستثمار
تكررت في سورية احتجاجات يقوم بها عمال القطاع الخاص، ولا شك أن هؤلاء العمال يطالبون بحقوقهم الأساسية مثل زيادة أجورهم بشكل يتناسب مع ضرورة تأمين الاحتياجات الأساسية تزامناً مع ارتفاع الأسعار وانخفاض القوة الشرائية لليرة السورية بالإضافة إلى التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والتقاعد.
ونؤكد على أن هذه المطالبات هي محقة، ولكن الشيء الجديد هو وصول الاحتجاج إلى درجة التظاهر والإضراب والإعلان عن ذلك وقد يكون هذا أمراً طبيعياً، ولكن في بلاد تعيش ظروف سورية، فإن لهذه الظاهرة تداعياتها وتبعاتها، ويلوح في الأفق أمر مثير للاهتمام، يستدعي النظر والبحث وهو التأثير السلبي لهذه الاحتجاجات على الاستثمار الذي نعلم جميعاً بأنه أقوى الجسور لعبور البلاد نخو ضفة التقدم والازدهار والاستقرار، ونقصد الاستثمار بشقيه الوطني والخارجي أفراداً وشركات، وذلك لأن توفر العمالة السورية ورخص أجورها النسبي والأهم انضباطها وعدم (انفلاتها) تعد عوامل جاذبة للاستثمار وزوال وتبدّل هذه العوامل سيؤثر سلباً ويبعد الاستثمار.
وأمام هذا الطارئ والإشكال فإن الخيار الأفضل والحل الأمثل هو التدخل العاجل من الحكومة، فيجب عليها أن تبادر بإجراءات حكيمة ومدروسة كفيلة باستقرار العمالة ونقترح:
أولاً: الحوار العميق والجدي مع فعاليات القطاع الخاص (أصحاب رؤوس الأموال وأرباب العمل) وباشتراك ممثلين عن العمال (نقابيين) بحيث يتم الاتفاق على زيادة إسعافية في أجور العمال بشكل منطقي يكفي لإنهاء الاحتجاجات.
ثانياً: بسبب حساسية المسألة وتشعّب أطرافها وتأثيرها البعيد، فإنه يجب على الحكومة أن تعالج القضية معالجة جذرية وتشمل جميع الجوانب المتداخلة معها ويجب ملاحظة مسألة الاستثمار والتعامل معها بشكل متوزان ومدروس ونقترح مايلي:
1- تحديد أجور العمال بشكل يوازن بين حاجة العمال والمستثمرين ويكون مرتبطاً بالدولار وقريباً من مستوى الأجور في الدول المشابهة.
2- يجب إصدار قوانين واضحة تحدد حقوق العمال وواجباتهم ويجب أن يحصل جميع العمال على التأمين الصحي وحقوق التعويض والتقاعد والضمان الاجتماعي.
3- كي تكون الأجور متناسبة مع قدرة الدولة وناتجها القومي العام، وفي نفس الوقت تكفي الحاجات الأساسية للعمال، فإنه يجب تخفيف حجم الضرائب وخاصة الرسوم الجمركية ويجب مواصلة الدعم الحكومي ما أمكن ذلك وخاصة في القطاعات التي يمكن فيها تقديم الدعم مثل الصحة والتعليم.
4- كي يستطيع أرباب العمل ومديرو القطاع الخاص والمستثمرون مستقبلاً إعطاء الأجور المنطقية المتفق عليها، فإنه يجب تخفيف الضرائب أو إلغائها كلياً على مستلزمات الإنتاج ويجب تقديم الدعم والتسهيل، وحماية المنتج المحلي من الاستيراد وتسهيل التصدير والقيام بالترويج للمنتجات المحلية.
5- يجب على الحكومة في حال احتمال انكفاء المستثمرين وإحجامهم أن تقوم بالتعويض، فيمكن لها أن تستثمر ممتلكات القطاع العام وتستخدم امتيازات الحكومة وحقوقها في الجوانب والمجالات الحيوية الرابحة، مثل الاتصالات مثلاً فتستثمر فيها ويمكن للحكومة أن تقترض رأس مال ضخم بضمانة ممتلكات الدولة أو أن تكتسب ثقة الشعب وتنشئ بنوكاً حقيقية بإدارة تكنوقراط فتجمع المدخرات وتستثمرها، كما يمكن للحكومة أن تشارك مستثمرين مقابل ضمانتها ودعمها.
نعم، يجب ألا نعدم الوسيلة..