
اللامركزية الإدارية… في ظل الانقسامات الاجتماعية؟
تُطرح اللامركزية الإدارية في كثير من الأحيان باعتبارها وصفة إصلاحية قادرة على تعزيز المشاركة الشعبية، وتحسين كفاءة الخدمات العامة، وتقريب القرار الإداري من هموم المواطنين. وقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن نقل بعض الصلاحيات إلى المستويات المحلية يمكن أن يساهم في تحقيق تنمية أكثر توازناً وفعالية. غير أن نجاح هذا النموذج يرتبط بوجود مؤسسات دولة قوية ومحايدة، وقضاء مستقل، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة لا على الولاءات الأولية.
في سوريا، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً. فبعد عقود من تآكل المؤسسات، وما خلفته الحرب من انقسامات اجتماعية ومناطقية، ما تزال الهويات العائلية والعشائرية والطائفية تشكل عاملاً مؤثراً في الحياة العامة. وفي ظل هذا الواقع، قد لا يؤدي توسيع صلاحيات الإدارات المحلية إلى تعزيز مفهوم المواطنة، بل ربما يفضي إلى إعادة إنتاج مراكز النفوذ التقليدية بصورة أكثر رسوخاً.
فعندما يكون المسؤول المحلي، سواء كان محافظاً أو مديراً للأمن أو قائداً للشرطة من أبناء المحافظة نفسها، يجد نفسه أمام شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والضغوط العائلية والعشائرية، ما قد يحد من استقلالية قراراته ويضعف قدرة مؤسسات الدولة على تطبيق القانون بمعايير موحدة. وإذا ما أضيف إلى ذلك منح صلاحيات واسعة للسلطات المحلية، فإن تلك الصلاحيات قد تتحول إلى أدوات تخدم توازنات محلية ضيقة بدلاً من خدمة المصلحة الوطنية العامة.
إن التجارب المقارنة تقدم دروساً مهمة في هذا المجال. فالعديد من الدول التي نجحت في تطبيق اللامركزية سبقتها مراحل طويلة من بناء المؤسسات المركزية وترسيخ سيادة القانون وتعزيز المهنية في الإدارة العامة. أما في الدول التي تعاني من انقسامات اجتماعية حادة وضعف مؤسسات الدولة، فقد تحولت اللامركزية أحياناً إلى مدخل لتكريس المحاصصة، وتعزيز النزعات المناطقية، وإضعاف سلطة الدولة المركزية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي في سوريا ليس ما إذا كانت اللامركزية مطلوبة أم لا، بل متى وكيف يمكن تطبيقها.
اللامركزية ليست هدفاً بحد ذاتها، بل أداة لتحقيق إدارة أفضل وتنمية أكثر عدالة. ومن دون مؤسسات مركزية قوية ومحايدة، وآليات رقابة فعالة، وجهاز قضائي مستقل، قد يصبح نقل الصلاحيات إلى المستوى المحلي خطوة محفوفة بالمخاطر.
الأولوية اليوم ينبغي أن تنصب على إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس مهنية، وتعزيز حياد الأجهزة الإدارية والأمنية، وترسيخ مفهوم المواطنة وسيادة القانون. وبعد تحقيق قدر معقول من الاستقرار المؤسسي، يمكن الانتقال تدريجياً نحو نموذج لامركزي مدروس، يمنح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع ضمن إطار وطني واضح يضمن وحدة الدولة ويحول دون تحول التنوع الاجتماعي إلى انقسامات سياسية وإدارية.
اللامركزية الناجحة لا تبدأ بتوزيع السلطة، بل ببناء الدولة القادرة على إدارة هذا التوزيع، وإلا فإن الإصلاح الإداري قد يتحول، إلى عامل إضافي من عوامل التفكك بدلاً من أن يكون أداة لتعزيز الوحدة الوطنية والتنمية المستدامة.