
من هرمز إلى بكين: كيف تعيد أزمات الشرق الأوسط رسم خريطة النظام الدولي؟
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بدا العالم وكأنه يتحرك ضمن معادلة سياسية شبه ثابتة: الأزمات الكبرى تُناقش في العواصم الإقليمية، لكنها تُدار في نهاية المطاف من واشنطن.
فمن حرب الخليج الأولى إلى غزو العراق، ومن ملفات الطاقة إلى ترتيبات الأمن الإقليمي، كانت الولايات المتحدة تمثل مركز الثقل الذي تدور حوله الحسابات الدولية.
لكن المشهد الذي يتشكل اليوم يوحي بأن العالم يدخل مرحلة مختلفة، ليس بسبب حرب واحدة أو أزمة عابرة، بل نتيجة تراكم تحولات عميقة بدأت تعيد رسم موازين القوة الدولية.
فالحرب على إيران، والاضطرابات التي طالت الملاحة في مضيق هرمز، والتداعيات الاقتصادية التي امتدت إلى مختلف القارات، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد أزمة جديدة في الشرق الأوسط، بل بوصفها جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط ما زال يحتفظ بموقعه كأحد أهم مفاصل الاقتصاد العالمي.
فعندما تتعرض الملاحة في مضيق هرمز للاهتزاز، لا تتأثر دول الخليج وحدها، بل تمتد التداعيات إلى أسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد، وتكاليف النقل والتأمين، وحتى إلى معدلات النمو الاقتصادي في الاقتصادات الكبرى.
غير أن ما يستحق التوقف عنده ليس حجم التأثير الاقتصادي فحسب، بل طبيعة التفاعل الدولي مع هذه الأزمة.
ففي العقود الماضية، كانت الأزمات المشابهة تدفع العالم إلى انتظار المبادرة الأميركية باعتبارها العامل الحاسم في إدارة التصعيد أو احتوائه.
أما اليوم، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً.
فالقوى الكبرى لم تعد تتحرك ضمن إطار القطب الواحد، كما أن مراكز التأثير لم تعد محصورة في عاصمة واحدة.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة لافتة باتت تتكرر بصورة متزايدة خلال السنوات الأخيرة، وهي تزايد أهمية بكين كمحطة أساسية في حركة السياسة الدولية.
فالصين التي كانت تُعرف لعقود طويلة باعتبارها “مصنع العالم” تحولت تدريجياً إلى لاعب سياسي واستراتيجي يمتلك تأثيراً متنامياً في القضايا الدولية الكبرى.
ولعل الزيارات المتلاحقة التي قام بها عدد من القادة والزعماء إلى الصين خلال الفترة الأخيرة تعكس هذا التحول بوضوح.
فبعض المراقبين لم يتردد في وصف هذه الظاهرة بـ”الحج السياسي إلى بكين”، في إشارة إلى المكانة المتصاعدة التي باتت تحتلها الصين في الحسابات الدولية.
لكن أهمية هذه الزيارات لا تكمن في بعدها البروتوكولي، بل فيما تعكسه من تغير في طريقة تفكير الدول الكبرى.
فحين تتوجه قوى متنافسة أو حتى متخاصمة نحو العاصمة نفسها، فإن ذلك يشير إلى وجود مركز جذب جديد بدأ يفرض نفسه على المعادلات الدولية.
ولا يتعلق الأمر هنا بصعود الصين فقط، بل بتحول أوسع يمس طبيعة النظام الدولي نفسه.
فالعالم لا يبدو متجهاً نحو استبدال هيمنة أميركية بهيمنة صينية، بل نحو مرحلة أكثر تعقيداً تتوزع فيها القوة بين عدة مراكز دولية وإقليمية، وتصبح فيها القدرة على بناء الشراكات وإدارة المصالح أكثر أهمية من القدرة على فرض الإرادة المنفردة.
في هذا السياق، تكتسب الحرب على إيران وما رافقها من اضطرابات في مضيق هرمز أهمية استثنائية.
فهي كشفت مجدداً حجم الترابط بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد العالمي.
كما أظهرت أن أمن الطاقة لم يعد قضية تخص المنتجين والمستهلكين فقط، بل أصبح جزءاً من المنافسة الدولية على النفوذ ومراكز القرار.
ولعل أحد أبرز الدروس التي أفرزتها الأزمة الحالية يتمثل في إعادة تسليط الضوء على هشاشة الممرات البحرية الاستراتيجية.
فالعالم الذي اعتمد لعقود طويلة على عدد محدود من الممرات الحيوية بدأ يكتشف أن أي اضطراب في هذه النقاط يمكن أن ينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.
ومن هنا عاد الحديث عن أهمية البدائل البرية وخطوط النقل العابرة للقارات، سواء في مجال الطاقة أو التجارة.
فكلما ازدادت المخاطر في الممرات البحرية، ازدادت أهمية البحث عن مسارات بديلة أكثر أمناً واستقراراً.
وهنا تحديداً تبرز أهمية الشرق الأوسط ليس فقط باعتباره مصدراً للطاقة، بل باعتباره عقدة جغرافية تربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
فالمنطقة لم تعد مجرد ساحة للصراعات كما يصورها البعض، بل أصبحت جزءاً أساسياً من التنافس الدولي على الممرات التجارية ومشاريع الربط الاقتصادي الكبرى.
أما سوريا، فإن موقعها يمنحها أهمية خاصة ضمن هذه التحولات.
فعلى الرغم من السنوات الصعبة التي مرت بها، فإن الجغرافيا السورية ما زالت تحتفظ بقيمتها الاستراتيجية التي لم تتغير.
فالدول قد تتغير، والتحالفات قد تتبدل، أما الجغرافيا فتبقى أحد أكثر عناصر القوة ثباتاً في العلاقات الدولية.
ولعل التاريخ الحديث يقدم مثالاً واضحاً على ذلك من خلال خط التابلاين الشهير الذي نقل النفط العربي عبر الأراضي السورية نحو البحر المتوسط، وجعل من سوريا في ذلك الوقت دولة عبور مهمة ضمن منظومة الطاقة الإقليمية.
لم تكن أهمية سوريا آنذاك نابعة فقط من موقعها السياسي، بل من قدرتها على الربط بين مناطق الإنتاج والأسواق العالمية.
واليوم، ومع تصاعد المخاطر التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، تعود هذه الفكرة إلى الواجهة بصورة مختلفة.
فكل أزمة تصيب طرق النقل البحرية تدفع القوى الاقتصادية الكبرى إلى التفكير في بدائل برية وخيارات أكثر استقراراً على المدى الطويل.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى سوريا باعتبارها أكثر من مجرد دولة في قلب الشرق الأوسط.
فهي تقع عند تقاطع جغرافي يربط الخليج العربي والعراق وشرق المتوسط والأسواق الأوروبية.
وإذا ما شهدت المنطقة خلال السنوات المقبلة حالة من الاستقرار النسبي، فإن مشاريع الطاقة والنقل والبنية التحتية قد تعيد إحياء أدوار تاريخية كانت قد تراجعت بفعل الحروب والأزمات.
غير أن الجغرافيا وحدها لا تكفي لصناعة الفرص. فالتاريخ مليء بدول امتلكت مواقع استراتيجية استثنائية دون أن تتمكن من تحويلها إلى عناصر قوة حقيقية.
ولذلك فإن القيمة الفعلية لأي موقع جغرافي ترتبط بالسياسات التي تُبنى عليه وبالقدرة على توظيفه ضمن رؤية وطنية واضحة.
وفي هذا السياق، تبدو التحولات التي تشهدها السياسة السورية عاملاً مهماً في تحديد موقع البلاد ضمن المشهد الإقليمي والدولي الجديد.
فبعد سنوات طويلة من الحروب والاستنزاف، تتجه دمشق في عهد الرئيس أحمد الشرع إلى تبني مقاربة تقوم على الانفتاح على المحيط العربي وتعزيز العلاقات مع مختلف القوى الدولية، انطلاقاً من مبدأ تنويع الشراكات وتغليب المصالح الاقتصادية والتنموية على منطق الاستقطابات والصراعات.
وقد انعكس هذا التوجه في الحراك الدبلوماسي المتسارع الذي شهدته سوريا خلال المرحلة الأخيرة، سواء عبر تطوير علاقاتها العربية أو من خلال توسيع قنوات التواصل مع مختلف القوى الدولية المؤثرة.
ويعكس هذا المسار إدراكاً متزايداً بأن مكانة الدول في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية، بل أيضاً بقدرتها على الاندماج في شبكات الاقتصاد العالمي ومشاريع التنمية الإقليمية.
كما أن التركيز على إعادة الإعمار، واستعادة النشاط الاقتصادي، وتهيئة البيئة المناسبة للاستثمار، يعكس توجهاً نحو جعل التنمية الداخلية أولوية وطنية تتقدم على الانخراط في الصراعات الإقليمية.
فالعالم الذي يتشكل اليوم يمنح أفضلية للدول القادرة على توفير الاستقرار وجذب الاستثمارات وربط المصالح الاقتصادية، أكثر مما يمنحها للدول المنخرطة في النزاعات المفتوحة.
ومن هنا تكتسب السياسة السورية الجديدة أهمية إضافية، لأنها تنطلق من مبدأ أن سوريا يمكن أن تستعيد دورها الإقليمي من خلال الاقتصاد والتعاون والانفتاح، لا من خلال التحول إلى ساحة صراع أو نقطة اشتباك بين القوى المتنافسة.
فكلما نجحت دمشق في ترسيخ صورة الدولة المستقرة والمنفتحة على الجميع، ازدادت فرصها في الاستفادة من التحولات الكبرى التي تعيد رسم خرائط التجارة والطاقة والاستثمار في المنطقة.
إن ما يجري اليوم لا يشير إلى نهاية النفوذ الأميركي، كما لا يعني بالضرورة صعوداً صينياً مطلقاً.
فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك عناصر قوة هائلة عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً.
لكن المؤكد أن العالم لم يعد كما كان قبل عقدين أو ثلاثة عقود.
فالقوة لم تعد تتركز في مركز واحد، والنفوذ لم يعد يُقاس فقط بحجم الجيوش أو الأساطيل.
لقد دخلنا مرحلة جديدة تصبح فيها الممرات التجارية، وخطوط الطاقة، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية العابرة للحدود، عناصر أساسية في تحديد موازين القوة الدولية.
ومن ينجح في التحكم بهذه الشبكات أو التأثير فيها سيملك موقعاً متقدماً داخل النظام الدولي القادم.
ومن هنا، فإن قراءة المشهد الحالي من زاوية الحرب على إيران وحدها أو من زاوية الصعود الصيني وحده تبقى قراءة ناقصة.
فالقضية الأعمق تتعلق بتحول تاريخي يعيد توزيع النفوذ العالمي ويغير قواعد اللعبة التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة.
ولعل الاستنتاج الأكثر أهمية هو أن المنافسة الكبرى في العقود القادمة لن تكون فقط بين واشنطن وبكين، بل بين المشاريع القادرة على ربط العالم ببعضه البعض.
فالقوة الحقيقية لن تكون بالضرورة لمن يملك أكبر جيش، بل لمن يملك القدرة على إدارة الممرات والشبكات التي تتدفق عبرها التجارة والطاقة والاستثمارات.
وقد يكون من المبكر الجزم بشكل النظام الدولي الذي سيتبلور في نهاية هذه المرحلة الانتقالية، إلا أن المؤشرات الحالية تسمح باستخلاص حقيقة مهمة: العالم يتجه نحو إعادة الاعتبار للدول التي تمتلك مواقع جغرافية استراتيجية وقدرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف مراكز القوة الدولية.
وفي هذا الإطار، قد تكون الفرصة التاريخية أمام سوريه أكبر مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
فبينما ينشغل كثيرون بقراءة الصراعات العسكرية الآنية، قد تكون التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الجارية بصدد إعادة اكتشاف أهمية بلاد الشام بوصفها جسراً يربط بين الخليج العربي وشرق المتوسط والأسواق الأوروبية.
وإذا تزامن ذلك مع استمرار سياسة الانفتاح والاستقرار وإعادة الإعمار، فإن سوريا قد تتحول خلال السنوات المقبلة من دولة تأثرت بالتحولات الدولية إلى دولة تستفيد منها وتشارك في صياغة بعض نتائجها.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي في السنوات المقبلة: من سيربح الصراع بين واشنطن وبكين؟ بل أي الدول ستنجح في تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر نفوذ وقوة وتأثير داخل النظام الدولي الجديد.
وعندها ربما يكتشف العالم أن بعض الدول التي بدت لسنوات طويلة أسيرة الأزمات، كانت في الواقع تمتلك من المقومات الجغرافية والاستراتيجية ما يؤهلها للعب أدوار أكبر بكثير في القرن الحادي والعشرين.
فكما كانت أزمات الشرق الأوسط تُعالج في الماضي من واشنطن، قد نشهد في المستقبل عالماً تُصاغ فيه الحلول عبر شبكة أوسع من العواصم والقوى والمصالح.
وعندها لن يكون التحول الحقيقي في انتقال النفوذ من دولة إلى أخرى، بل في انتقال العالم نفسه إلى مرحلة جديدة من التاريخ السياسي والاقتصادي؛ مرحلة قد تجعل من الممرات التجارية والطاقة والجغرافيا السياسية عوامل أكثر حسماً من كثير من أدوات القوة التقليدية التي حكمت العالم خلال العقود الماضية. وفي قلب هذه التحولات، تقف سوريا أمام فرصة نادرة لاستعادة دورها الطبيعي كحلقة وصل بين الشرق والغرب، وبين الطاقة والأسواق، وبين الجغرافيا والتاريخ.