سوريا على طاولة الكبار: ماذا تريد مجموعة السبع من دمشق؟

0 14

تحمل دعوة سورية للمشاركة في مؤتمر مجموعة السبع في باريس أبعاداً تتجاوز الرمزية السياسية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، من التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، إلى المخاوف الدولية المتعلقة بأمن الطاقة ومضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تعود سورية لتفرض نفسها بوصفها عقدة جيوسياسية لا يمكن تجاهلها.

تضم مجموعة السبع كلاً من فرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، واليابان، وإيطاليا، وكندا، وتمثل مجتمعة ما يقارب 40% من الاقتصاد العالمي. وعلى مدى عقود لعبت هذه الدول دوراً رئيسياً في إدارة الأزمات الدولية، وتمويل برامج الإغاثة والتنمية، وقيادة المؤسسات المالية الكبرى. لذلك، فإن حضور سورية إلى منصة كهذه يعني أن المجتمع الدولي بدأ ينظر إلى الملف السوري ليس فقط كحرب مستمرة، بل كقضية مرتبطة باستقرار الإقليم بأكمله.

فسورية تقع في قلب توازنات الشرق الأوسط، وتشكل ممراً جغرافياً وسياسياً حيوياً بين الخليج وشرق المتوسط، وتركيا والعراق والأردن. وتُعد جزءاً هاماً من الحلف العالمي لمكافحة تنظيم داعش والفكر المتطرف، حيث ساهمت جغرافيتها وتجربتها الطويلة في مواجهة الإرهاب في تعزيز هذا الدور الدولي. كما أن ملف إعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم يشكل أحد أبرز التحديات الإقليمية والدولية المرتبطة باستقرارها. ومع تصاعد احتمالات المواجهة بين واشنطن وطهران، تصبح الجغرافيا السورية أكثر أهمية استراتيجية، سواء من زاوية النفوذ العسكري، أو خطوط الطاقة والتجارة، أو ملف اللاجئين والهجرة نحو أوروبا. ولهذا تدرك القوى الكبرى أن أي انفجار واسع في المنطقة ستكون له انعكاسات مباشرة وخطيرة على سورية، في حين أن أي استقرار سوري حقيقي قد يتحول إلى عنصر تهدئة إقليمي مهم ومؤثر.

أما السوريون أنفسهم، فهم ينتظرون ما هو أبعد من الصور الدبلوماسية. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 16 مليون سوري إلى مساعدات إنسانية، بينما يعيش ملايين آخرون تحت ضغط البطالة وتراجع الخدمات وانهيار القدرة الشرائية. ولهذا قد تشكل المشاركة السورية فرصة لطرح ملفات إعادة الإعمار، ودعم قطاع الكهرباء والطاقة، وإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة.

لكن مجموعة السبع لن تنظر إلى سورية فقط من زاوية الاحتياجات، بل أيضاً من زاوية الالتزامات المطلوبة. فالدول الكبرى تريد شريكاً قادراً على توفير حد أدنى من الاستقرار السياسي والإداري، وضمانات تتعلق بالحوكمة، ومكافحة الفساد، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار. كما قد تسعى هذه الدول إلى دفع دمشق نحو أدوار أكثر وضوحاً في ملفات الحدود، ومكافحة التهريب، وضبط التوازنات الأمنية في المنطقة.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية، هل تمتلك سورية اليوم القدرة السياسية والمؤسساتية للوفاء باستحقاقات العودة إلى المشهد الدولي؟ فبين الحاجة السورية الماسة إلى الدعم، ورغبة القوى الكبرى في بناء شراكات مستقرة وسط إقليم مشتعل، تبدو المشاركة في مؤتمر باريس بداية اختبار جديد، قد يحدد ما إذا كانت سورية تتجه فعلاً نحو استعادة موقعها، أم أنها لا تزال عالقة بين تعقيدات الداخل وصراعات الخارج.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني