حين تنتصر الدولة، لماذا تفشل المليشيات مهما طال الزمن؟

0 7

في لحظات الانهيار الكبرى التي تمر بها الدول، يظن بعضهم أن السلطة يمكن أن تُستبدل بالجماعات المسلحة، وأن الفوضى قد تتحول إلى نظام دائم، وأن السلاح الخارج عن إطار الدولة قادر على إنتاج واقع سياسي مستقر، لكن التجارب الحديثة في المنطقة العربية، من لبنان إلى ليبيا والعراق واليمن، تثبت حقيقة مختلفة تماماً:

المليشيات قد تفرض أمراً واقعاً مؤقتاً، لكنها تعجز عن بناء دولة، أو حماية مجتمع، أو صناعة مستقبل مستقر.

وفي الحالة السورية، يبدو هذا الدرس أكثر وضوحاً اليوم من أي وقت مضى.

فعلى مدار سنوات الحرب الطويلة، تشكلت قوى متعددة، وظهرت سلطات محلية، ورفعت شعارات مختلفة، لكن النتيجة النهائية التي بدأت تتبلور أمام السوريين هي أن غياب الدولة لا ينتج حرية حقيقية، بل ينتج فراغاً أمنياً، وانهياراً اقتصادياً، واستنزافاً اجتماعياً طويل الأمد.

فكل منطقة خرجت عن سلطة الدولة دخلت تدريجياً في دوامات من الأزمات المعيشية، والصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، وتحولت مع الوقت إلى ساحات نفوذ متنازع عليها بين قوى محلية وإقليمية ودولية.

الدولة ليست مجرد علم ومؤسسات رسمية، بل هي الإطار الوحيد القادر على توحيد الجغرافيا، وضبط الأمن، وإدارة الاقتصاد، وحماية الحدود، وخلق هوية وطنية جامعة.

أما المليشيات، مهما امتلكت من قوة عسكرية أو دعم خارجي، فهي بطبيعتها مشاريع مؤقتة مرتبطة بالأزمات، وتفشل غالباً عند أول اختبار سياسي أو اقتصادي حقيقي.

فالسلاح يستطيع أن يفرض الخوف، لكنه لا يستطيع أن يبني اقتصاداً، أو يدير مؤسسات، أو يخلق استقراراً طويل الأمد.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن المجتمعات قد تتعاطف أحياناً مع الخطابات الثورية أو المحلية أو الطائفية تحت ضغط الغضب والخوف، لكنها تعود في النهاية للبحث عن الاستقرار.

فالمواطن العادي لا يريد أن يعيش داخل حالة اشتباك دائم، بل يريد مدرسة، ومشفى، وكهرباء، وفرصة عمل، وأماناً لعائلته.

وهذه الأمور لا تستطيع الجماعات المسلحة تقديمها بصورة مستدامة، لأنها أصلاً بُنيت على منطق الصراع لا على منطق الإدارة والدولة.

ولو نظرنا إلى تجارب المنطقة، سنجد أن المشهد يكاد يتكرر بالحرف نفسه.

ففي ليبيا، أدى انهيار مؤسسات الدولة إلى تعدد مراكز القوة وتحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوح بين المليشيات والقوى الخارجية، رغم الثروات النفطية الهائلة التي تمتلكها البلاد.

وفي العراق، ما زالت الدولة تعاني من آثار انتشار السلاح خارج مؤسساتها الرسمية، الأمر الذي انعكس على القرار السياسي والاستقرار الداخلي. أما لبنان، فقد تحول على مدار عقود إلى نموذج واضح عن دولة ضعيفة تعيش تحت ضغط التوازنات المسلحة والانقسامات السياسية والطائفية.

هذه الأمثلة ليست بعيدة عن الحالة السورية، بل تمثل إنذاراً مبكراً لما يمكن أن تصل إليه أي دولة إذا استمر فيها منطق السلاح الموازي لمؤسسات الدولة.

وفي سوريا اليوم، تقف القيادة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع أمام تحدٍ تاريخي يتمثل في إعادة بناء مفهوم الدولة بعد سنوات الحرب والانقسام.

ويبدو أن الرهان الأساسي لهذه المرحلة لا يقوم على منطق الانتقام أو التصعيد، بل على إعادة تثبيت مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار التدريجي ضمن رؤية سياسية أكثر واقعية وبراغماتية، تأخذ بعين الاعتبار حجم التغيرات الإقليمية والدولية التي طرأت على الملف السوري.

فالقيادة السورية تدرك اليوم أن الحسم العسكري وحده لا يكفي، وأن نجاح الدولة في المرحلة القادمة مرتبط بقدرتها على استعادة ثقة المواطن السوري، وتحسين الواقع الاقتصادي، وإعادة إنتاج مؤسسات قادرة على العمل بكفاءة.

كما أن الدولة باتت مطالبة بإنتاج خطاب وطني جامع يتجاوز الانقسامات التي خلّفتها سنوات الحرب، ويعيد تعريف الهوية السورية على أساس المواطنة والاستقرار والمصلحة الوطنية المشتركة.

وفي هذا السياق، تبدو بعض المناطق التي شهدت توترات أو محاولات للخروج عن سلطة الدولة، ومنها السويداء، أمام اختبار سياسي واقتصادي شديد الحساسية.

فبعيداً عن الشعارات والانفعالات، تفرض الجغرافيا والاقتصاد والسياسة حقائق لا يمكن تجاوزها.

فلا منطقة تستطيع أن تعيش طويلاً بمعزل عن الدولة المركزية، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية المعقدة التي تواجهها المنطقة بأكملها.

كما أن أي كيان محلي، مهما امتلك من خصوصية اجتماعية أو حالة شعبية مؤقتة، سيصطدم عاجلاً أم آجلاً بحقائق الجغرافيا السياسية.

فالمعابر، والطاقة، والاقتصاد، وحركة التجارة، والخدمات، والاعتراف الدولي، جميعها عناصر مرتبطة بوجود دولة مركزية قادرة على إدارة البلاد كوحدة واحدة.

ولذلك فإن فكرة الانفصال الواقعي أو الإدارة المستقلة خارج إطار الدولة تبدو في المدى الطويل غير قابلة للحياة.

ومن المهم هنا التفريق بين المواطنين وبين المجموعات المسلحة أو المشاريع السياسية الضيقة. فأهالي السويداء، كغيرهم من السوريين، يبحثون عن الكرامة والاستقرار ومستقبل أفضل لأبنائهم، والدولة السورية مطالبة بأن تتعامل مع هذه المطالب بعقلية الاحتواء الوطني لا بعقلية الصدام المفتوح.

لأن قوة الدولة الحقيقية لا تظهر فقط في قدرتها على فرض الأمن، بل أيضاً في قدرتها على استيعاب المجتمع وإعادة بناء الثقة معه.

لقد دخل الشرق الأوسط خلال العقد الماضي مرحلة قاسية من الفوضى والانقسامات، لكن المزاج الشعبي والإقليمي بدأ يتغير تدريجياً.

فبعد سنوات الدم والانهيار، باتت الشعوب تميل أكثر إلى الاستقرار وإعادة بناء الدول، حتى وإن كان ذلك عبر حلول واقعية وتدريجية، بدل الاستمرار في مشاريع الصراع المفتوح التي استنزفت المجتمعات وأضعفت الاقتصادات ودفعت ملايين الناس إلى الهجرة والنزوح.

كما أن المجتمع الدولي نفسه لم يعد متحمساً لنماذج الفوضى المفتوحة كما كان في السنوات الأولى لما سمي بـ “الربيع العربي”.

فالقوى الدولية باتت تنظر إلى استقرار الدول باعتباره أولوية تتقدم على مشاريع التغيير غير المحسوبة، خصوصاً بعد تصاعد مخاطر الإرهاب والهجرة والفوضى الأمنية العابرة للحدود.

وبناءً على كل ما سبق، يمكن القول إن سوريا تتجه تدريجياً نحو مرحلة إعادة تثبيت الدولة المركزية، وإن التحدي الحقيقي لن يكون عسكرياً فقط، بل سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في المقام الأول.

فالمرحلة القادمة ستفرض على القيادة السورية تقديم نموذج مختلف في الإدارة والحكم، يقوم على تعزيز الاستقرار، وتحسين الاقتصاد، وإعادة دمج المناطق الخارجة عن سلطة الدولة ضمن مشروع وطني شامل.

ومن المرجح أيضاً أن تشهد المرحلة المقبلة تراجعاً تدريجياً لنفوذ الجماعات المسلحة المحلية، ليس فقط بفعل الضغط الأمني، بل نتيجة التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل البيئة السورية نفسها. فالمجتمعات التي أنهكتها الحرب ستبحث بشكل متزايد عن الاستقرار وفرص الحياة الطبيعية، لا عن استمرار الصراعات المفتوحة.

كما أن القوى الإقليمية والدولية ستدفع هي الأخرى باتجاه إعادة إنتاج الدولة السورية كمركز استقرار في المنطقة، لأن البديل عن ذلك سيكون استمرار الفوضى التي تهدد الجميع دون استثناء.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن سوريا تقف اليوم أمام مرحلة انتقالية مفصلية، عنوانها الأساسي الانتقال من زمن الحرب إلى زمن الدولة.

وقد تكون الطريق طويلة ومعقدة، لكن المؤشرات السياسية والاستراتيجية الحالية توحي بأن منطق الدولة بدأ يستعيد مكانته تدريجياً، وأن السنوات القادمة ستشهد تراجعاً متسارعاً لمشاريع الفوضى لصالح مشروع الدولة المركزية القادرة على البقاء والاستمرار.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني