من «لسنا واحداً» إلى نزع الإنسانية: تشريح خطاب الإقصاء

0 13

ليست المشكلة في اختلاف الناس، بل في اللحظة التي يتحول فيها الاختلاف إلى مبرر لنزع الإنسانية.

حين يُنزع الإنسان، لا يكون ما قيل على المنبر مجرد انفعالٍ عابر، ولا زلةَ لسانٍ في لحظة احتقان. هذه الجملة ليست استثناءً معزولاً، بل تتكرر بصيغ مختلفة في خطاباتٍ دينية متداولة في بيئاتٍ سورية مشحونة. إنه بناءٌ مكتمل العناصر، يبدأ بتعريفٍ مختزلٍ للإنسان، وينتهي بنزع إنسانيته ووطنه.

جملة واحدة تُلقى بثقة: «لسنا واحداً… لا ننسجم معكم… ولسنا على شاكلتكم لا في الإنسانية ولا في الدين ولا في الانتماء للوطن». خلف هذه الجملة تعمل آلةٌ مفهومية حادة: اختزالٌ، ثم فرزٌ، ثم إلغاء.

في كثير من صيغ هذا الخطاب—ومنها ما قيل على المنبر—يمكن رصد بنيةٍ متكررة: الاختزال هو الخطوة الأولى. الإنسان يُعرَّف بوصفه «كائناً دينياً حصراً». لا تاريخ له خارج هذا التعريف، ولا اجتماع، ولا قانون، ولا مصالح يومية، ولا كرامة مدنية. يُمحى تعددُ طبقاته ليبقى بعدٌ واحد يُضخَّم حتى يغدو معياراً لكل شيء.

عند هذه النقطة يصبح الانتقال سهلاً: إذا كان الإنسان ديناً فقط، فاختلاف الدين يعني اختلاف الإنسان. وهكذا تُفتح بوابة الفرز.

الفرز هنا ليس توصيفاً للتنوع، بل إعادةُ رسمٍ للحدود: «نحن» و«هم». لا تُعرض «اللاواحدية» كحقيقة اجتماعية تُدار، بل كحدٍّ فاصِل يوجب القطيعة. ثم تأتي القفزة الثالثة، الأخطر: الإلغاء. فالمختلف لا يُختلف معه، بل يُسحب من دائرة القيم التي تُلزمنا نحوه: «لا إنسانية، لا دين، لا وطن»—وهي، في أثرها، ليست مجرد لغة وعظ، بل تتحول إلى تجريدٍ من الشرعية.

هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الآخر من شريكٍ في المجال العام إلى كيانٍ فائض يمكن الاستغناء عنه—رمزياً أولاً، وما بعد الرمز ليس بعيداً.

هذا البناء يطلب شرعيته من نصوصٍ دينية، لكن طريقة الاستدعاء نفسها تكشف العطب. تُقتطع آية الغاية—«وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»—لتُقرأ بوصفها تعريفاً حصرياً للإنسان، ثم يُبنى عليها حكمٌ اجتماعي.

هنا يقع الخلط: الغائية العقدية تُحوَّل إلى معيارٍ لإدارة المجتمع. يحدث انتقالٌ غير مبرهن: من تقرير غايةٍ عقدية عامة إلى اشتقاق معيارٍ يُلزم الناس في المجال العام، وكأن هذه الغاية تصلح بذاتها لتحديد الحقوق والواجبات بين المختلفين—وهو افتراض يحتاج إلى دليل مستقل لا يُقدَّم.

الآية تتحدث عن مقصد، لا عن توصيفٍ حصري لكل فرد، ولا عن رخصةٍ لنزع إنسانية المختلف. وفوق ذلك، يجري إهمال نصوصٍ مُحكَمة تُقيِّد هذا الانزلاق: «لا إكراه في الدين»، «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، «ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة»، «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

هذه ليست زينةً خطابية؛ إنها قواعد تضبط العلاقة بين الإيمان والاختلاف. تجاهلها ليس اجتهاداً، بل انتقائيةٌ تُسخِّر الدين لغايةٍ غير التي وُضع لها: الفرز بدل العدل. ولا يعني استدعاء هذه النصوص إنكار وجود تراثٍ فقهي ميّز بين المؤمن وغيره في بعض الأحكام، لكن ذلك التراث نفسه لم يجعل هذا التمييز ذريعةً لنزع الإنسانية أو إسقاط الكرامة.

وعندما يُحوَّل الدين إلى حدٍّ فاصل، يتبدّل دوره: من مرجعيةٍ تُنتج معايير للإنصاف إلى أداةٍ ترسم حدود الانتماء. يُستبدل ميزان «التقوى»—بصفته معياراً أخلاقياً—بميزان الهوية، فيغدو التفاضل قائماً على الانتماء لا على الفعل. وهنا يتأسس الخلل الأخلاقي: يُنزع عن جماعةٍ كاملة حقها في الكرامة بسبب ما تعتقده أو لا تعتقده، لا بسبب ما تفعل. هذا قلبٌ للميزان.

سياسياً، لا يقف الأمر عند حدود اللغة. هذا الخطاب يعيد تعريف المجال العام من «مواطنة» إلى «تطابق». الانتماء لا يعود حقاً متساوياً يقوم على القانون، بل امتيازاً مشروطاً بدرجة «الانسجام» مع هويةٍ محددة.

وما دام «الانسجام» غير قابل للتحقق في مجتمعٍ متنوع، فإن النتيجة العملية هي تراتبية في الحقوق: فئات أقرب إلى المركز، وأخرى مُزاحة إلى الهامش، وثالثة خارج الحساب. هكذا تُهدم فكرة الدولة بوصفها إطاراً جامعاً، وتُستبدل بجماعةٍ تتوسع وتضيق وفق مزاج التعريف.

وصحيح أن بناء هذا الإطار في مجتمعٍ مثقل بالعنف ليس مهمة سهلة، لكنه يظل الشرط الأدنى لمنع إعادة إنتاج الصراع بصيغ جديدة.

هنا تحديداً يدخل عاملٌ آخر يزيد هذا البناء صلابةً وخطورة: تسييل المظلومية وتحويلها إلى رخصةٍ أخلاقية. والمقصود بتسييل المظلومية: نقلها من وصفٍ لواقعة ظلم محددة إلى معيارٍ عام للحكم على جماعاتٍ كاملة، بما يبرر التعميم ويخفض سقف المحاسبة الأخلاقية.

فالشيخ ومن يتبنون هذا النمط من الخطاب لا يتكئون فقط على تعريفٍ اختزالي للإنسان، بل يتغذّون على جراح السوريين، ويعيدون صوغها بوصفها سرديةً جمعية: «طائفةٌ ظُلِمت من طائفةٍ أخرى». ومن هذه السردية تُستخرج شرعيةٌ جاهزة: ما يُقال اليوم ليس إقصاءً، بل «ردّ فعلٍ شرعي» على ما وقع من مذابح وآلام.

هذه الحجة تعمل بآلية واضحة: تُحوِّل الجرح من وصفٍ لما جرى إلى معيارٍ للحكم على البشر. تُعمِّم الفعل على جماعةٍ «بالكوم»، فتمحو الفروق بين من ارتكب ومن لم يكن طرفاً فيما جرى أصلاً، ثم تُحوِّل المظلومية إلى إذنٍ بخفض السقف الأخلاقي، بحيث يصبح التعميم نفسه مقبولاً لأنه صادر عن «ضحية».

والنتيجة قفزة أخرى في الاتجاه نفسه: من إدانة الظلم إلى إعادة إنتاجه بلسانٍ مختلف.

لكن هذا التحويل ينهار عند أبسط اختبارين. من جهة العدالة، المسؤولية شخصية لا جماعية؛ تعميم الذنب على جماعةٍ كاملة ليس إنصافاً، بل نقيضه. وهذا لا ينفي أن العنف في سورية اتخذ أشكالاً جماعية ومنظمة، ولا يلغي الحاجة إلى عدالةٍ انتقالية تحاسب الفاعلين وتفكك البنى التي أنتجت العنف، لكنه يميّز بين المحاسبة وبين تعميم الذنب على جماعاتٍ بأكملها.

ومن جهة الاتساق الأخلاقي، إذا أصبحت المظلومية رخصةً للإقصاء، فكل جماعة تستطيع استدعاء جرحها لتبرير ما كانت تدينه. هكذا لا نحصل على عدالة، بل على سباقٍ في الانحدار حيث يصبح الإقصاء قاعدةً عامة.

دينياً، الادعاء بأن هذا «ردّ فعلٍ شرعي» يصطدم بقواعد قاطعة: «لا تزر وازرة وزر أخرى»، «ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا»، «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، «ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة»، «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم». بهذه الأصول، لا يبقى من «شرعية» الإقصاء الجماعي شيء.

قد يبدو هذا الخطاب جذاباً في بيئةٍ مثقلةٍ بالخوف والخسارات؛ فهو بسيط، حاسم، يَعِدُ بوضوحٍ سريع: «نحن» متماسك في مواجهة «هم» غامض. لكنه وعدٌ زائف. ما يُنتجه فعلياً هو تآكل الثقة، وارتفاع منسوب الشك، وتفكك الروابط اليومية التي يقوم عليها أي اجتماع بشري.

ومع كل درجةٍ إضافية من الإقصاء، تتعزز الحاجة إلى مزيدٍ منه، في حلقةٍ مغلقة تُغذّي نفسها بنفسها.

الأخطر أن هذا المسار لا يتوقف عند حد. إذا قُبل مبدأ نزع الإنسانية عن المختلف، فالمعيار نفسه قابل للتمدد داخل الجماعة ذاتها. من يحدد «الشاكلة»؟ ومن يملك حق القياس؟ وما الذي يمنع انتقال السكين من «هم» إلى «نحن» عند أول خلافٍ في التأويل أو المصلحة؟ المنطق الذي يبرر الإقصاء في الخارج يُعيد إنتاجه في الداخل.

تفكيك هذا الخطاب لا يكون بالشتيمة، بل بإعادة تأسيس المعايير التي هُدِمت. أولها: الفصل بين دائرة الإيمان ودائرة الاجتماع. الإيمان علاقة فردية بربه، لا تُدار بالإكراه، ولا تُستخدم لإسقاط حقوق الناس.

وثانيها: إعادة تعريف الوحدة بوصفها اتفاقاً على قواعد عادلة للعيش المشترك، لا تطابقاً في الاعتقاد.

وثالثها: استعادة معيار الأخلاق؛ الكرامة لا تُمنح على أساس الهوية، بل تُصان لكل إنسان.

ورابعها: فضح القفزات المنطقية: الانتقال من «اختلاف» إلى «نفي الإنسانية» ليس استدلالاً، بل انفعالٌ مُسخَّر.

في النهاية، ليس السؤال: هل الإنسان كائن ديني؟ لكثيرين نعم. السؤال: هل يُختزل في ذلك بحيث يُنزع عن غيره إنسانيته ووطنه؟ هنا يكمن الانحراف.

الدين، حين يُستعمل ليحمي الكرامة ويقيم العدل، يفتح المجال العام. وحين يُستعمل ليغلقه، يتحول إلى أداة إقصاء.

المسألة ليست في حضور الدين أو غيابه، بل في كيفية استعماله: هل يُستدعى ليحمي الكرامة ويقيم العدل، أم ليعيد رسم حدود الإقصاء؟ عند هذا المفصل يتحدد إن كان يفتح المجال العام أو يغلقه.

وبين هذين الخيارين، لا يحتاج المجتمع إلى خطبٍ أعلى صوتاً، بل إلى معايير أوضح: لا أحد يُسحب من إنسانيته، ولا أحد يُطرد من وطنه بسبب اختلافه.

ما عدا ذلك ليس ديناً يُصلح، بل خطابٌ يُفسد—بمشرطٍ لا يعالج، بل يوسّع الجرح.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني