بين الخوف والتفوق: الأعمدة الخمسة للأمن الإسرائيلي

0 660

لم تكن جهود الحركة اليهودية لتنجح في تأسيس الكيان الإسرائيلي لولا أنهم لم يكونوا أكثر من أداة استعمارية غربية لتنفيذ أجندات وتحقيق مصالح من أسّس ورعى هذا الكيان.

عانى الغرب كثيراً من الدولة العثمانية المسلمة، إذ أدرك أنّ هذه الأمة تملك كل مقومات النهوض فيما لو توفرت بعض الظروف الذاتية والموضوعية، وأُطلقت العنان للقوى الحية في المجتمعات الإسلامية، والتاريخ يخبر العالم كله عن عظمة الممالك الإسلامية السابقة، لذلك كان فصل جناحي الأمة بغرس هذا الكيان في أضيق نقطة هو الهدف الرئيسي، ثم البحث عن مسوغات قيامه كالهرب من الاضطهاد الأوروبي (مع أنّ وعد بلفور والبدء بمخطط إنشاء الكيان اليهودي كان خلال الحرب العالمية الأولى، وقبل احتلال الإنكليز لفلسطين، وبالتالي قبل صعود النازية في ألمانيا وتعرّض اليهود للمحرقة كما يقولون)، حيث يُشكّل البعد الديني للدولة المزمع إنشاؤها ضرورة ملحة، كما أنّ هذا البعد ضروري لاستمرارها فيما بعد، حيث تُشكّل الديانة اليهودية هوية سياسية أيضاً.

كانت كل المخططات الغربية تختلف في كثير من الاستراتيجيات، ولكنها تتفق على منع عودة خلافة عربية أو إسلامية في قلب العالم، خاصةً أنّ بدايات القرن الماضي كانت تُنبئ عن مخزونات بترولية هامة في المنطقة.

صاغ بن غوريون (والجيل المؤسس) العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وبنوها على خمسة قواعد رئيسية:

1- يجب أن تكون أيّ حرب تخوضها إسرائيل قصيرة المدّة الزمنية وحاسمة بنفس الوقت، وذلك باستغلال التفوق الكبير بنوعيات الأسلحة على أعدائها، وهذا تحقق في القرن الماضي بسبب التطور الكبير في سلاح الطيران، والذي يحقق ضربات مؤثرة ولا يحتاج لقوى بشرية كبيرة، وأكبر مثال على نجاح هذا المبدأ هو هزيمة الدول العربية في حرب عام 1967 خلال ستة أيام، حيث احتلت إسرائيل مساحة تعادل ثلاثة أضعافها في أقل من أسبوع، بما في ذلك القدس الشرقية برمزيتها.

2- يجب أن تجري المعارك في أرض العدو، حيث إنّ نقطة الضعف الإسرائيلية هي ضحالتها الجيوبوليتيكية والديمغرافية وإحاطتها ببحر من الأعداء، حيث إن مساحة فلسطين التاريخية هي 29 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها اليهود الآن أقل أو يساوي عدد السكان الفلسطينيين، وأيّ حرب داخل الكيان ستضعف من احتمالات استقطاب مهاجرين جدد، ناهيك عن حدوث هجرة معاكسة لعدم توفر الأمان أو فرص النشاط الاقتصادي.

3- الدفاع الهجومي، وهو ما يُعرف أيضاً بالضربات الاستباقية، وأساس هذا المبدأ هو كيف يتحول الخطر إلى تهديد، فوفق المفهوم الإسرائيلي فإنّ العدو يجب أن يمتلك النيّة في مهاجمة إسرائيل، وهذا متوفر في تصورهم عند الغالبية العظمى من العرب والمسلمين، وهذا هو الخطر، وعند توفر القدرة أو الإمكانية يتحول الخطر إلى تهديد حقيقي، والقدرة ليست عسكرية بالطبع، كما هو الحال في تدمير المفاعل النووي العراقي وبدايات مفاعل نووي سوري، وكما يجري الآن مع إيران، بل إنّ أيّ نهوض علمي عند العدو هو تهديد لهم، وقد أجهضوا محاولات الرئيس عبد الناصر في الخمسينيات للشروع في بناء برامج نووية وتسليحية هامة، حيث اغتالوا نخبة العلماء المصريين، وبعد الغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام الرئيس صدام قتلوا معظم العلماء العراقيين خشية استقطابهم من أيّ جهة عربية.

4- الردع الاستراتيجي بامتلاك كل عوامل التفوق الكاسح، ومنها أيضاً العامل النووي، وهذا المفهوم ينقسم إلى قسمين: الردع بمعنى خوف العدو من مجرد التفكير في مهاجمة الكيان، والقسم الثاني وهو العقاب القاسي وغير المتناسب مع الفعل من الطرف الآخر، حيث إنّ تكبيده الخسائر الفادحة ممكن أن يردعه عن الهجوم مرة أخرى، وتردع غيره عن التفكير بهكذا عمل، وواضحة الهمجية الإسرائيلية سواء في رد الفعل المفرط إزاء المقاومين الفلسطينيين في الداخل، أو حرب الإبادة في غزة والتدمير في لبنان.

5- الإنذار المبكر، ويتجلى بالجهد الاستخباري بجمع المعلومات عن العدو وتقديرات الموقف، وهذا يتطلب جهداً يكون خارجياً على عاتق الموساد، وداخلياً على عاتق الاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن الداخلي، وعماد هذا الجهد تجنيد العملاء في صفوف الأعداء والاعتماد على التقنيات الحديثة كالتنصت وصور الأقمار الصناعية، وحديثاً الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا شك أنّ النجاح النسبي لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لا يعتمد على قدراتها فحسب، بل على التعاون الكبير من أجهزة الاستخبارات الغربية والإقليمية بتزويدها بما يهم الكيان من معلومات حصلت تلك الأجهزة عليها.

أطاحت عملية السابع من أكتوبر بنظرية الأمن الإسرائيلية من جذورها، حيث أسقطت مبدأ الردع، وهاجم الفلسطينيون قلب ما يُعرف بالدولة الإسرائيلية، وأيضاً جرت الحرب على الأرض الإسرائيلية، وتم قتل المئات من الجنود والمستوطنين في يوم واحد، ولم تتمكن الاستخبارات من اختراق مجموعة القيادة التي خططت للعمل منذ سنين، ولم تنفع دولة الاحتلال الحصون الإلكترونية، وسقط الإنذار المبكر، وعجزت المؤسسات الأمنية في تقدير الموقف، وتحققت المباغتة من الفلسطينيين.

يُقال إنّ العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي اهتزت في العمق يجري ترميمها بإحداث مناطق عازلة في غزة ولبنان وسوريا، بحيث تدور أيّ معركة مقبلة خارج أراضي الكيان، وبالتالي إحياء أحد أعمدة نظرية بن غوريون، مع أنه يوجد تبنٍّ واضح ومعلن لنظرية جابوتنسكي الأمنية، والتي تتجلى بالجدار الحديدي، حيث ثبت عملياً فشل صفقات السلام مع الجوار، وبالتالي فإنّ خوف العرب وغيرهم وردعهم أنجع من إقامة السلام أو التطبيع معهم.

أثبتت الحروب الأخيرة نجاح نظرية الحروب غير المتناظرة، إذ لم تعد التكنولوجيا العسكرية المتقدمة بذات الأهمية في تحقيق النصر في الحروب، ويمكن بأسلحة بسيطة يسهل امتلاكها وتصنيعها تغيير موازين القوى، ليس العسكرية فحسب بل والاستراتيجية أيضاً، فقد تمكّن الحوثي عبر مسيّراته وأسلحته البسيطة من تشكيل تهديد لأمن الكيان وإغلاق ميناء إيلات على البحر الأحمر وتحقيق ضربات مؤثرة في عمق الكيان، ومن مسافة كبيرة تُقدّر بـ٢٠٠٠ كم، وأيضاً الحرب الأخيرة مع إيران وحزب الله، حيث ثبت فشل الإنذار المبكر وتقدير حجم القوة عند الطرف الآخر، بل وفشل استخباراتي مريع في تقدير أثر اغتيالات القادة ورد الفعل الشعبي على تلك الاغتيالات، مما يؤكد قصوراً كبيراً في فهم طبيعة المجتمعات العدوّة للكيان.

ولا شك أنّ استعداء كل دول الإقليم، خاصةً تركيا التي يصفها الإسرائيليون بالعدو ويضعونها في جدول القضاء عليها بعد إيران، وتكرارهم لعبارات تغيير الشرق الأوسط ووضعه تحت الهيمنة الإسرائيلية، وفقدان الكثير من الدعم الدولي بعد حرب الإبادة على غزة، وتحول قادة الكيان إلى مجرمي حرب مطلوبين للعدالة الدولية، وتراجع التأييد للكيان داخل المجتمع الأمريكي، بل قد تكون من أهم نتائج الحرب الحالية على إيران تحوّل إسرائيل إلى عبء على أمريكا، وبالتالي تكون الخسائر من دعمها أكبر من جني الفوائد، وكل ذلك سيترك تأثيره على نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، والذي بات يعتمد الآن على طبقات من أنظمة الدفاع الجوي لن تكون كافية لكي تبقى إسرائيل على قيد الحياة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني