
بين العدالة والقتل خارج إطار القانون
لا شك أن العدالة هي مطلب مُحقٌّ لكل الضحايا بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والمناطقية ولكن؛ حين تغيب العدالة فما هو الحلّ؟
هناك نوعان من الحلول يلجأ الضحايا إليها في حال عدم تحقق العدالة التي يطلبونها وهي:
الأول: القانون
يلجأ قسم من الضحايا إلى القانون لتحصيل حقهم في حال عدم حصولهم على حقوقهم من خلال المؤسسات العاملة في المجال الذي تعرَّضوا فيه لأي نوع من الانتهاكات.
الثاني: الحصول على حقوقهم بأنفسهم
يلجأ قسمٌ آخر من الضحايا للحصول على حقوقهم بأنفسهم عند تقاعس أو تباطؤ أو إهمال المؤسسات المسؤولة عن تحصيل حقوقهم سواء باسترداد ما تم اغتصابه منهم بالقوَّة أو الانتقام من القاتل في حالات القتل وهنا تدخل هذه المجموعات ضمن حالات القتل خارج القانون.
وفي الحالة السوريَّة وبعد سقوط النظام الأكثر وحشيَّةً على مرِّ العصور بات القتل خارج القانون يُشكِّلُ تهديداً للأمن العام (مثل قتل أبرياء كانوا قرب الشخص المُستهدف) وتهديداً آخر للاستثمارات التي تمَّ توقيعها مع الحكومة الانتقالية التابعة لسلطة دمشق الحاليَّة.
هنا يبرزُ السؤال الأكثر إلحاحاً:
من هو المسؤول وما هو الحل؟
المسؤول في نظر المحللين والقانونيين هو السلطة الحاكمة في دمشق أولاً وغياب القانون ثانياً.
فمعظم المحللين يرون أن سلطة دمشق تتساهل في معاقبة المتهمين بالضلوع في جرائم قتلٍ وتعذيب وإخفاءٍ قسري بحجة عدم توفُّر الدليل وقد دعَّمَ هذه النظريَّة إصدار الرئيس الشرع مرسوم عفو عام مُخالفٍ للقانون.
فهذا المرسوم الحصول يستوجب موافقة البرلمان الذي لم ينعقد بعد والذي يُنتظر منه إصدار تشريعات جديدة بدل المعمول بها منذ قرابة قرن من الزمن.
وحالة الغضب لا تخفى على أحد، بل وتعجُّ مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع تطالب بمحاسبة المجرمين (بحسب وصفهم)، وقد لوحظ ازدياد وتيرة المطالبات بعد انتشار مقاطع لتعذيب مدنيين في سجن صيدنايا سيء السُمعة ومشفى تشرين العسكري واكتشاف الناس أن الأقراص الصلبة الخاصة بحواسيب سجن صيدنايا (الهاردات) كانت موجودة عند الدخول إليه.
ومع أنَّ الفيديوهات قديمة لكنها أشعلت جمراً كان يُحرق قلوب عائلات الضحايا بصمت فلا أحد يمكنه نسيان فلذات أكباده كما زعمت أخت أمجد يوسف حين قالت: «لو قتلوه حينها كنا نسيناه».
لكن لسلطة دمشق رأيٌ آخر وهو أن محاسبة مجرمي النظام سيفتح جرحاً لدى عائلاتهم وسيؤخر تحقيق السِّلم الأهلي الذي تسعى بكل طاقتها لتحقيقه، تمهيداً للبدء بأعمال الاستثمار التي وقَّعت عقودها بمليارات الدولارات.
فما الحل؟
لا يبدو أن وضع الحواجز على مداخل الأحياء التي يقطنها معظم المنتسبين إلى جيش بشار الأسد يُجدي نفعاً فعمليات القتل المنسوبة إلى (مُلثمين مجهولين) لم تتوقف ولا يبدو أنها ستتوقف قريباً.
كما أنَّ حالات الاعتقال التي طالت عدداً ممن تم كشف تورطهم في عمليات قتلٍ خارج القانون لم تُسهم في تخفيف هذه العمليات.
في حين أنَّ القانون البالي الذي لا زال ساري المفعول حتى اليوم بات يُشكِّل ظُلماً آخر للضحايا، فالنظام البائد قام بتفصيله ليحمي عرشه وليس ليصون كرامة المُواطن، في حين أنَّ سلطة دمشق لم تتمكن حتى الآن من تطبيق قوانين جيِّدة تم سنُّها بعد سقوط نظام الأسد ومنها قانون مُخالفات السير وقانون مُخالفات النظافة، ما يفتحُ باباً جديداً لمناقشة موضوع عدم استقالة أيٍّ من شاغلي المناصب رغم عدم نجاحهم في أيِّ إنجاز يكبحُ جِماحَ النَّقد الشَّعبي لشاغلي المناصب بعد هروب الأسد إلى روسيا.
أمَّا هيئة العدالة الانتقالية فلم تنجح في رأب الصَّدع ولملمة الأرواح المُتعبة لدى السوريين حتى الآن على الأقلّ.