السوريون في ألمانيا: كيف تُعاد كتابة ذاكرة مجزرة الساعة في حمص بعد 15 عاماً في المهجر؟

0 313

ذاكرة لا تُغلق في قاعة ميونخ:

في قاعةٍ مستأجرة فوق مبنى إداري هادئ في مدينة ميونخ الألمانية، لم يكن السوريون مجتمعين لإحياء ذكرى بقدر ما كانوا يعيدون فتح ملفٍ لم يُغلق منذ عام 2011: لا في التاريخ، ولا في السياسة، ولا حتى داخل الذاكرة الفردية.

وجوه جاءت من مدن ألمانية متفرقة، وأخرى من النمسا وفرنسا، اجتمعت حول لحظة واحدة ما تزال تتكرر بصيغ مختلفة في كل سردية: مجزرة الساعة في حمص. حدثٌ خرج من سياقه الميداني في بدايات الاحتجاجات السورية، ليصبح لاحقاً عقدة سردية مفتوحة، تُعاد قراءتها بعد 15 عاماً في المهجر، حيث لا تعيش الذاكرة في الماضي وحده، بل في اللغة والهوية وطريقة تعريف الذات.

في نيسان/أبريل 2011، وبعد تشييع ضحايا احتجاجات سلمية، تحولت ساحة الساعة في حمص إلى اعتصام واسع شارك فيه عشرات الآلاف. لكن الليلة التالية حملت تحولاً جذرياً: انقطاع الاتصالات، حصار المدينة، وإطلاق نار مباشر على الحشود، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى واختفاء آخرين، ودخول الذاكرة السورية مرحلة طويلة من الانقسام—ليس فقط حول ما حدث، بل حول كيف يُروى.

الذاكرة كحدث يُعاد تعريفه:

يقول منظم الفعالية في ميونخ زيد الهلال إن ما جرى لم يكن مجرد إحياء ذكرى، بل إعادة مساءلة للمعنى نفسه:

“هذه ليست ذكرى عابرة… إنها نقطة مفصلية غيّرت طريقة فهمنا لكل ما جاء بعدها. قبلها كان هناك إيمان حقيقي بإمكانية التغيير السلمي، وبعدها تغيّر كل شيء.”

لكن ما يلفت في حديثه ليس الحدث، بل استحالة تثبيته داخل رواية واحدة.

“كانت أول مرة يجتمع فيها هذا العدد الكبير في ساحة واحدة… وكانت، للأسف، الأخيرة بهذا الشكل.”

ثم يضيف جملة تبدو بسيطة لكنها تحمل ثقل التجربة:

“كل مرة تُروى فيها القصة، تتغير.”

في هذا التحول، تصبح الذاكرة السورية في المهجر أقرب إلى مساحة مفتوحة منها إلى سجلّ تاريخي، تتبدل وفق الجيل، والمسافة، وإيقاع الحياة في الشتات.

تنظيم تحت ضغط الزمن والمعنى:

رغم ضيق الوقت، أُنجزت الفعالية خلال أيام قليلة فقط. يوضح الهلال أن الموافقة الرسمية من السلطات الألمانية لم تصل إلا قبل أسبوع واحد، ما فرض إيقاعاً سريعاً على التحضير.

“كل شيء تم بسرعة: الدعوات، التسجيل، والتواصل مع الجالية في مختلف المدن.”

تم فتح التسجيل إلكترونياً، إلى جانب حملات عبر وسائل التواصل واتصالات مباشرة مع السوريين في ألمانيا ودول أوروبية أخرى.

لكن المنسق أحمد طاهر يذهب أبعد من الجانب التنظيمي:

“لم يكن الوقت هو التحدي الحقيقي… بل الإحساس بأننا أمام مسؤولية أخلاقية لا يمكن تأجيلها.”

ويضيف:

“ما قد يستغرق أسابيع، أُنجز خلال أيام… لأن التأجيل بحد ذاته شكل من أشكال النسيان.”

هنا لا يبدو الحدث مجرد فعالية، بل محاولة لمقاومة تآكل الذاكرة نفسها.

الجالية السورية: بين اللقاء وإعادة تعريف الذات:

داخل القاعة، لم يكن الحضور متجانساً. طلاب، معلمون، ناشطون، وممثلون عن مؤسسات مدنية التقوا في فضاء واحد تحكمه ذاكرة مشتركة، لكنها تُفهم بطرق متباينة.

تقول دارين العبد الله، المعلمة وعضو رابطة المعلمين السوريين في ألمانيا:

“هذه اللقاءات مهمة جداً لأنها تجمع السوريين من مدن مختلفة، وتتيح لنا أن نرى أنفسنا كجزء من قصة واحدة رغم التشتت.”

لكن هذا اللقاء يتجاوز الاجتماعي إلى سؤال أعمق: كيف تُبنى هوية جماعة تعيش خارج بلدها، بينما يظل ذلك البلد نفسه موضع نزاع على المعنى؟

وتضيف:

“وجود القنصل أعطى شعوراً بالاطمئنان، وكأن هناك تواصلاً مباشراً بدأ يتشكل من جديد.”

في هذا المشهد، تصبح الذاكرة أيضاً علاقة مع مؤسسة دولة لم تعد حاضرة جغرافياً، لكنها حاضرة رمزياً داخل القاعة.

الدولة تدخل الذاكرة: حضور القنصلية:

يقدّم القنصل السوري في بون، الدكتور ملهم مصطفى الخن، قراءة رسمية لدور البعثات الدبلوماسية داخل فضاء الذاكرة السورية في المهجر:

“مشاركتنا في هذه الفعالية تأتي تضامناً مع أهالي الشهداء الذين سقطوا في مجزرة الساعة، وهي جريمة آلمت جميع السوريين، ومن المهم تخليدها كي لا تُنسى مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال.”

ويضيف:

“نحن نحرص على دعم مبادرات الجالية السورية في المهجر، وتعزيز التواصل المباشر معها، من خلال حوار شفاف يتيح الاستماع إلى احتياجاتها وتحدياتها، ونقل رسائلها إلى الجهات المعنية داخل الدولة.”

ثم يؤكد بوضوح مؤسساتي:

“هذه الفعاليات تسهم في تعزيز العلاقة بين البعثات الدبلوماسية والجاليات السورية، وتفتح مساحة للتعاون وتطوير الخدمات المقدمة للسوريين في الخارج.”

لكن هذا الحضور، في سياق ذاكرة منقسمة سياسياً، لا يُقرأ كإجراء إداري فقط، بل كجزء من سؤال أوسع: من يملك حق رواية الماضي؟

العدالة كجزء من الذاكرة:

بالنسبة للناشط كريم سلمان، الذاكرة ليست استذكاراً بل مساراً مفتوحاً للمساءلة:

“إحياء الذكرى ليس فقط للتذكير، بل للحفاظ على السردية… حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم.”

ويضيف:

“ما نراه اليوم هو أن ذاكرة السوريين ما زالت حيّة، والسؤال الحقيقي هو كيف تُستخدم هذه الذاكرة.”

في المنفى، تتحول الذاكرة إلى شكل من الضغط الأخلاقي المستمر، حتى في غياب العدالة.

ذاكرة تتحول إلى مشروع اجتماعي:

في اتجاه موازٍ، ترى دارين العبد الله أن الذاكرة لم تعد ماضياً يُستعاد، بل مشروعاً يُبنى:

 “نحاول تحويل هذه التجربة إلى عمل تربوي مع الجيل الجديد، لأن كثيراً من الأطفال هنا لم يعيشوا الأحداث مباشرة.”

وتضيف:

“نريد أن نفهمهم أن ما وصلوا إليه اليوم له ثمن كبير، وأن هذه الذاكرة يجب أن تُنقل كمسؤولية ومعرفة، لا كحزن فقط.”

ذاكرة شخصية داخل سردية جماعية:

بالنسبة لزيد الهلال، تبقى الذاكرة تجربة شخصية بقدر ما هي سردية جماعية متشظية:

“الثورة غيّرت مجرى حياتي بالكامل.”

ثم يضيف:

“فهمنا لتلك اللحظة ما زال يتغير مع الوقت… لكنها تبقى حاضرة في كل ما نقوم به.”

من يملك الذاكرة؟

في ميونخ، لا يبدو السوريون مجتمعين حول الماضي بقدر ما هم مجتمعون حول سؤال مفتوح: من يملك حق روايته؟

بين الدولة والجالية، بين الناشطين والدبلوماسيين، وبين من عاشوا الحدث ومن ورثوا تفسيره، تتشكل ذاكرة لا يملكها أحد بالكامل—ولا يمكن تثبيتها في رواية واحدة نهائية.

بعد 15 عاماً، لم يعد السؤال كيف نتذكر ما حدث، بل:

من يملك حق كتابة الذاكرة السورية في المهجر؟

وهل يمكن لذاكرة مثقلة بالعنف أن تبقى واحدة… أم أنها ستظل تُعاد كتابتها كلما تغيّر المكان ومن يروي ومن يستمع؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني