المثقف الحيوي، رأس المال المعرفي في مرحلة البناء

0 60

تبدأ معركة إعادة الإعمار بإعادة بناء الوعي الجمعي. فالمجتمعات التي تتعرض لسنوات طويلة من الحرب والانقسام لا تخسر بنيتها التحتية وحسب، بل تتعرض أيضاً لتآكل تدريجي في منظومة التفكير، وفي قدرة المجال العام على إنتاج نقاش عقلاني حول الأولويات الوطنية. وهنا تحديداً تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ المثقف الحيوي.

المقصود بالمثقف الحيوي ليس المثقف التقليدي المنعزل داخل أبراج التنظير، ولا الناشط الإعلامي الذي يختزل دوره في مطاردة التفاعل الرقمي وصناعة الضجيج اليومي. بل هو الفاعل المعرفي القادر على الربط بين الفكر والواقع، وبين النقد والمسؤولية، وبين الحرية وفكرة الدولة.

في اللحظة السورية الراهنة، تبدو الحاجة إلى هذا النموذج أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فبعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما يقدَّر عدد السوريين خارج البلاد بما يتجاوز ستة ملايين لاجئ، إضافة إلى ملايين النازحين داخلياً. أما الاقتصاد السوري، فقد خسر بحسب تقارير أممية ودولية مئات مليارات الدولارات من الناتج المحلي والبنية الإنتاجية خلال سنوات الصراع. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أزمة اقتصادية، بل عن انهيار عميق في البنية الاجتماعية والإدارية والمعرفية للدولة.

في هذا المناخ، يصبح المجال العام أكثر هشاشة أمام الشعبوية والانفعال والخطابات القصوى. إذ تميل المجتمعات المنهكة إلى البحث عن إجابات سريعة وحلول عاطفية، حتى لو كانت غير واقعية. وهنا يبرز دور المثقف الحيوي بوصفه صمام أمان يمنع النقاش الوطني من الانزلاق الكامل نحو الفوضى الذهنية.

لقد أفرزت الحرب السورية حالة من التضخم الإعلامي غير المسبوق. وتحولت المنصات الرقمية إلى المصدر الأساسي لتشكيل الرأي العام، بينما تراجعت المؤسسات الفكرية والبحثية التقليدية. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن السوريين باتوا من أكثر المجتمعات العربية استخداماً لمنصات التواصل في المجال السياسي والإخباري، الأمر الذي خلق بيئة يغلب عليها التفاعل السريع والانفعال اللحظي، على حساب التفكير العميق والتحليل طويل الأجل. وهنا تصبح وظيفة المثقف الحيوي أكثر أهمية من مجرد إبداء الرأي. فهو لا يعمل كمعلق سياسي يومي، بل يعيد توجيه النقاش نحو الأسئلة الحقيقية:

كيف يمكن إعادة بناء مؤسسات الدولة؟

كيف يمكن خلق اقتصاد منتج؟

كيف يمكن استعادة الثقة بالقانون؟

وكيف يمكن منع إعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة؟

تقدم التجارب الدولية أمثلة واضحة على هذا الدور. ففي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لعب المفكرون والأكاديميون دوراً محورياً في إعادة بناء الثقافة السياسية الديمقراطية، بالتوازي مع مشروع خطة مارشال الاقتصادي. وخصصت الحكومة استثمارات ضخمة لإعادة بناء الجامعات ومراكز الأبحاث باعتبارها جزءاً من الأمن الوطني، وليس مجرد قطاع تعليمي.

وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، أدركت الدولة أن إعادة بناء المجتمع لا يمكن أن تتم فقط عبر الأمن، بل عبر إعادة صياغة الوعي الجمعي. لذلك جرى الاستثمار في برامج التعليم والمصالحة وإعادة تأهيل النخب المحلية، وهو ما ساهم لاحقاً في تحقيق واحد من أعلى معدلات النمو الاقتصادي في أفريقيا خلال العقدين الماضيين.

أما في البوسنة، فقد أظهرت التجربة أن غياب مشروع فكري جامع بعد الحرب ساهم في استمرار الانقسامات المجتمعية حتى بعد توقف القتال. وهذا ما يوضح أن إعادة بناء الدولة ليست عملية تقنية فقط، بل معركة وعي أولاً.

في سوريا، تبدو المشكلة أكثر تعقيداً بسبب الهجرة الواسعة للكفاءات. فوفق تقديرات غير رسمية، غادر مئات آلاف أصحاب الاختصاصات والمهن والكوادر الأكاديمية البلاد خلال سنوات الصراع، فيما تشير تقارير أممية ودولية إلى ارتفاع ملحوظ في نسب السوريين العاملين في القطاعات المعرفية والتقنية وريادة الأعمال داخل بلدان الاغتراب. هذه الكتلة البشرية تمثل رأس مال معرفي هائل، لكنها ما تزال تعمل بصورة مشتتة، في ظل غياب شبكات مؤسساتية قادرة على تحويل الخبرات السورية العالمية إلى قوة اقتراح وتأثير داخل المشهد السوري. ومن هنا، فإن المثقف الحيوي لا ينبغي أن يكون مجرد كاتب مقالات أو ضيف شاشات، بل جزءاً من بنية إنتاج المعرفة الوطنية، مراكز أبحاث، منصات سياسات عامة، شبكات خبراء، مبادرات اقتصادية وفكرية، وبرامج لإعادة تأهيل الإدارة العامة.

وفي المجال الاقتصادي تحديداً، يصبح هذا الدور حاسماً. فسوريا تحتاج إلى إدارة توقعات بقدر حاجتها إلى التمويل. إذ لا يمكن بناء اقتصاد مستقر في بيئة يعيش فيها الناس على خطاب المبالغة أو الوعود غير الواقعية. وتشير تجارب مشابهة إلى أن الثقة العامة تُعد أحد أهم عناصر التعافي الاقتصادي، وهي ثقة لا تُبنى بالدعاية، بل بوجود خطاب عقلاني وصادق يشرح للناس حجم التحديات وفرص التعافي معاً.

المثقف الحيوي، بهذا المعنى هو أحد مكونات الاستقرار الوطني. فالدول لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الحرب، وفي زمن التحولات الكبرى، تصبح الكلمة المسؤولة شكلاً من أشكال الأمن الوطني.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني