العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة: كيف تنجو سوريا من إرث الأسد دون السقوط في انتقام الدولة؟

0 79

حين تتحول الذاكرة السورية إلى معركة من أجل العدالة:

في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يسقط نظام بشار الأسد بوصفه سلطة سياسية فحسب، بل انهارت معه البنية الكاملة لدولة الخوف التي حكمت السوريين لعقود. كان ذلك اليوم لحظة انفجار تاريخي لذاكرة مثقلة بالغياب والدم والأسئلة المؤجلة.

أربعة عشر عاماً من الحرب لم تترك وراءها دولة منهكة فقط، بل مجتمعاً يعيش فوق طبقات كثيفة من الفقد: مدن مدمرة، عائلات تبحث عن أبنائها المفقودين، وذاكرة جماعية مطاردة بصور المعتقلات والمقابر الجماعية والبراميل المتفجرة.

في هذا السياق، يكتسب المقال المشترك الذي كتبه فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، والبروفسورة روتي تيتل لمجلة Just Security أهمية خاصة، لأنه لا يتعامل مع العدالة الانتقالية بوصفها ملفاً قانونياً تقنياً، بل كمعركة تأسيسية على شكل الدولة السورية المقبلة.

فالأرقام وحدها تكشف عمق الكارثة: مقتل ما لا يقل عن 234,805 مدنيين، و181,312 حالة اعتقال تعسفي وإخفاء قسري، و45,339 وفاة تحت التعذيب، و217 هجوماً كيميائياً، إضافة إلى نزوح يقارب نصف السكان، وتقديرات لإعادة الإعمار تتجاوز 216 مليار دولار.

إنها مأساة لم تدمر الإنسان السوري فقط، بل ضربت مفهوم الدولة في جوهره.

عدالة تحمي المجتمع… لا انتقام يعيد إنتاج الحرب:

يطرح المقال سؤال ما بعد السقوط: كيف يمكن تحقيق العدالة دون الانزلاق إلى انتقام جماعي أو إعادة إنتاج الانقسام؟

ويقدم مفهوم “العدالة غير الطائفية”، أي العدالة القائمة على المسؤولية الجنائية الفردية لا الانتماء الجماعي. فبعد سنوات الحرب، يعيش السوريون حالة معقدة من “التنافس في المظلومية”، حيث تتداخل الجراح والهويات والخوف، ما يجعل أي خطاب انتقامي تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

ويحذر المقال من تحويل العدالة إلى أداة سياسية أو إلى ما يُعرف بـ”عدالة المنتصر”، لأن ذلك قد يعيد إنتاج العنف تحت غطاء القانون.

أربعة أعمدة لمنع عودة الاستبداد:

يرى المقال أن العدالة الانتقالية ليست محاكمات فقط، بل مشروع متكامل يقوم على أربعة أعمدة مترابطة:

  • المحاسبة الجنائية الفردية.
  • كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات.
  • جبر الضرر المادي والمعنوي.
  • الإصلاح المؤسسي العميق.

ويحذر من التعامل الجزئي مع هذه الركائز، لأن غياب أي منها قد يقود إلى عدالة ناقصة أو إعادة إنتاج منظومات القمع السابقة.

وفي قلب هذا الإطار، يبرز الضحايا بوصفهم مصدر الشرعية الأخلاقية لأي انتقال سياسي، إذ لا يمكن لعدالة لا تسمع أصواتهم أن تكتسب المصداقية.

المحكمة الخاصة بسوريا… اختبار الثقة الأول:

يدعو المقال إلى إنشاء “محكمة خاصة من أجل سوريا” ذات طابع مختلط، تضم قضاة سوريين وخبرات دولية، لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي لا يغطيها القانون الحالي.

لكن أهمية المحكمة تتجاوز المحاسبة، لتشمل إعادة بناء الثقة بالقضاء السوري بعد عقود من التبعية الأمنية.

ويشدد المقال على ضرورة إنشائها عبر قانون ضمن عملية تشريعية تشاركية، لا عبر مراسيم تنفيذية، مع تطوير قانون جنائي جديد يعترف بالجرائم الدولية ويشمل مسؤولية القيادة العليا، لا فقط المنفذين.

المفقودون… الجرح الذي لا يُغلق:

يتوقف المقال عند ملف المفقودين بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، محذراً من فصله عن منظومة العدالة الانتقالية.

فالإخفاء القسري لم يكن جريمة منفصلة، بل جزءاً من منظومة قمع شاملة. لذلك فإن دمج هذا الملف داخل هيئة العدالة الانتقالية يسمح بربطه بكشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر في إطار واحد.

إصلاح الأمن والقضاء… تفكيك الدولة العميقة:

يرى المقال أن سقوط النظام لا يعني تفكيك بنيته العميقة، وأن إصلاح القضاء والأمن يمثل التحدي الأهم في المرحلة الانتقالية.

في القضاء، يدعو إلى:

  • إعادة هيكلة مجلس القضاء الأعلى.
  • تقييم القضاة على أساس الكفاءة والنزاهة.
  • ترسيخ استقلال القضاء.
  • تطوير التدريب في حقوق الإنسان والقانون الدولي.

أما في القطاع الأمني، فيشدد على:

  • فصل الأجهزة وتحديد صلاحياتها.
  • إخضاعها لرقابة مدنية وقضائية.
  • استبعاد المتورطين في الانتهاكات.
  • الحذر من دمج الفصائل المسلحة دون تدقيق.

جبر الضرر… حين يصبح إعادة الإعمار اعترافاً:

يتجاوز جبر الضرر التعويض المالي ليصبح اعترافاً أخلاقياً بالضحايا.

ويقترح المقال ربط إعادة الإعمار بالعدالة الانتقالية، وإنشاء صناديق دولية شفافة، وتجميد أصول المسؤولين عن الانتهاكات، مع رقابة تمنع الفساد وإعادة إنتاج شبكات النهب.

كما يؤكد أهمية الذاكرة الوطنية عبر المتاحف والمناهج والرموز التذكارية لمنع إنكار الماضي.

هل تستطيع سوريا تحويل المأساة إلى دولة؟

في المحصلة، لا يقدم المقال العدالة الانتقالية كإجراء قانوني محدود، بل كمشروع لإعادة تأسيس سوريا سياسياً وأخلاقياً بعد عقود من العنف.

فسوريا اليوم لا تواجه فقط سؤال محاكمة الجناة، بل سؤالاً أعمق: كيف تُبنى دولة لا يعود فيها الخوف أداة حكم، ولا يتحول فيها الإنسان إلى رقم في ملف اعتقال؟

ذلك هو التحدي الحقيقي لسوريا الجديدة… والسؤال المفتوح أمام مستقبلها: هل تستطيع تحويل الذاكرة المثقلة بالموت إلى عقد وطني جديد يؤسس لدولة العدالة والقانون؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني