
السوريون في ألمانيا: عيد الفطر كمساحة هوية وانتماء
بين الفرح والحنين: عيد الفطر في قلب الغربة:
في صباح عيد الفطر بمدينة فيتن الألمانية، امتلأت أروقة المركز الثقافي الإسلامي بصوت الضحكات، ألوان الألعاب، وروائح القهوة العربية، لتتحول المناسبة إلى لوحة حية للهوية السورية في الغربة. هنا يلتقي الحنين بالفرح، والذكريات بالمسؤولية، والتعلم بالانتماء، وسط أجواء تعكس تضامن الجالية السورية وحرصها على نقل تراثها الثقافي والديني للأجيال الجديدة.
رصدت صحيفة نينار برس الاحتفالية من خلال أعين من ساهموا في تنظيمها: مدير المركز، المعلمون، المتطوعون الشباب، ورابطة المعلمين السوريين، لتكشف كيف استطاعت الجالية خلق مساحة للتعلم، اللعب، والتواصل بين الأجيال.
“الأطفال يلاحظون كيف يحتفل المجتمع الألماني بأعياده بكل تفاصيلها، فكان من الضروري أن نواكب ذلك، وألا يمر عيدنا مروراً عابراً”، يقول الأستاذ ميسر عبود، مدير المركز.
“الطفل لا يفهم قدسية العيد بالكلام، بل يعيشها من خلال الفرح والفعاليات”.
“كل عيد يحمل رسالة: نحن موجودون هنا، نحافظ على لغتنا وهويتنا، وأطفالنا يعيشون فرحة العيد كما نحب أن نراها”، تضيف الأستاذة إيناس البراقي، متطوعة ومنسقة الفعالية.
العمل التطوعي: قلب الحدث النابض:
كانت إيناس البراقي حلقة الوصل بين المركز ورابطة المعلمين السوريين، تتابع كل تفاصيل اليوم خطوة بخطوة:
“من الساعة 9 صباحاً وحتى 9 مساءً، كان الضغط مستمراً. جهزنا المكان، راقبنا المحطات، وتأكدنا من سير الفعاليات بسلاسة. رؤية الفخر في أعين الأطفال جعل كل الجهد يستحق”.
“رغم التعب، كنت أطوف بين الطاولات لأتأكد أن كل طفل يجد ما يناسبه، وكل معلم يعرف دوره بدقة. التنظيم هنا ليس مجرد عمل إداري، بل رسالة تربوية وإنسانية”، تؤكد إيناس.
رابطة المعلمين: العلم باللعب:
أوضح الأستاذ أمير البارودي، رئيس رابطة المعلمين السوريين في ألمانيا، أن مشاركة الرابطة امتداد طبيعي لدورها التربوي:
“نحن بأي فعالية تخص الأطفال… نحب أن نكون جزءاً منها. مهمتي كانت ربط العمل بين جميع المكاتب لضمان أفضل نتيجة وأجمل صورة”.
وأشار إلى تصميم الفعاليات بطريقة تعليمية تفاعلية:
“كل محطة لم تكن مجرد لعبة، بل تجربة تعليمية مغلفة بالمتعة. الأطفال يفرحون ويتعلمون في الوقت نفسه”.
حتى اللحظة التي وصفها: “طفل في الخامسة من عمره رفض سؤالاً بسيطاً وطلب أصعب، وأجاب بنجاح مبتسماً… لم يكن يلعب فقط، بل يتحدى ويكتشف نفسه”.
طاولة الفيزياء والكيمياء: العلم يصبح متعة:

بين أصوات الأطفال وضحكاتهم، كانت طاولة الفيزياء والكيمياء واحدة من أكثر المحطات جذباً للانتباه. هنا، لم يكن العلم مجرد مفاهيم نظرية، بل تجربة حية يشارك فيها الطفل باليد والعين والقلب.
الأستاذة رولا محمد بسام كريشان، مديرة المكتب الإعلامي في رابطة المعلمين السوريين، تحدثت عن ولادة الفكرة:
“أردنا تقريب العلوم للأطفال بطريقة ممتعة وبسيطة، لنبرهن لهم أن الفيزياء والكيمياء ليست مجرد صيغ وجداول، بل يمكن أن تكون مغامرة مشوقة”.
مع فريقها، أعدوا تجارب آمنة وبسيطة، مثل صناعة مصباح كهربائي صغير باستخدام ورق وأسلاك نحاسية وLED، وتجربة الحمم البركانية الملونة، وفصل الألوان بالكروما توغرافيا ليشاهد الأطفال حركة الألوان بانسيابية.
“قسمنا الأدوار بيننا، أحدنا يشرح، وآخر يرافق الطفل أثناء التجربة، لضمان السلامة وتعزيز الفضول العلمي في الوقت نفسه”.
الأطفال كانوا متحمسين للتجربة: يضغطون على زر المصباح فيضيء، يشاهدون البركان “ينفجر” بألوانه الزاهية، ويرون الألوان تتفاعل على الورق أمام أعينهم. كل تجربة كانت درساً صغيراً في الملاحظة والتفكير العلمي، لكن بنكهة الفرح والمرح.
“الأكثر تأثيراً كان حين رأينا دهشة الأطفال تتجلى على وجوههم، وبعضهم أعاد التجارب مرات عدة، لأنه ببساطة أراد أن يفهم أكثر ويكتشف بنفسه”، تضيف رولا.
توثيق الفرح: العين التي رصدت الحدث:
لم يكن التصوير مجرد مهمة تقنية، بل تجربة إنسانية، كما يروي الأستاذ أحمد حسين إسماعيل، نائب رئيس رابطة المعلمين السوريين:
“السعادة لا تخفي نفسها، وإن حاولت إخفاء نفسها نسارع لتوثيقها بالصور والفيديو. حاولت نقل جميع الأحداث المميزة، سواء سعيدة أو حزينة”.
“أكثر اللحظات التي أثرت فيّ كانت حين ينجز الطفل تجربة أو اختبار، يهرع لوالديه ليقول: ماما، بابا، شوف! فرحة الأطفال والأهالي لا تُقدر بثمن”.
أرض المعرفة وطاولة اللغات: التعلم بالحب والمرح:
أشرفت الأستاذة هنادي بركات على طاولة “أرض المعرفة”، حيث اجتمعت المسابقات التعليمية والأشغال اليدوية لتعزيز اللغة العربية والهوية الثقافية والدينية:
“قسمنا الأنشطة حسب المستويات العمرية، من التعرف على الأحرف والألوان وصولاً إلى أنشطة تربط اللغة بالثقافة الإسلامية. الهدف دمج المرح بالتعلم العملي وتشجيع الأطفال على التعبير بحرية”.
الأستاذة نور لؤي معمار أدارت زاوية الضيافة وطاولة اللغات:
“ضحكات الأطفال وسعادتهم جعلتنا ننسى التعب. حتى الأطفال الخجولين كانوا يتفاعلون بسرعة مع الألعاب اللغوية، ورؤية تقدمهم لحظة فخر حقيقية”.
على خشبة المسرح: تعليم ومنافسة ممتعة:
قدم محمد سعيد الصباغ وخالد المحمد فقرة تعليمية تفاعلية تشمل ألعاب “كاهوت” و”من سيربح المليون”، ومسابقات الرياضيات والتمثيل الديني:
“حتى الأطفال الذين لم يحققوا المركز الأول شجعناهم على المحاولة مرة أخرى، ليشعر الجميع بأنهم جزء من نجاح الفقرة”، يقول محمد.
“رؤية الأطفال يرفعون أصواتهم عند الإجابة الصحيحة، أو يضحكون بعد حل مسألة صعبة، تملأ قلبك فخراً وفرحاً”، يضيف خالد.
الهوية والانتماء: رؤية وطنية في الغربة:
يؤكد الدكتور رياض القطمة، الأكاديمي وعضو رابطة المعلمين، البعد التربوي للفعالية:
“هذه المبادرات تكمل دور المدرسة، وتعزز اللغة العربية والهوية الثقافية والدينية لدى الأطفال في بيئة الاغتراب”.
“وجود الأهالي إلى جانب الأطفال يعكس رغبة المجتمع في دعم العملية التعليمية وخلق بيئة محفزة للأجيال القادمة”.
كما يشدد على دور الحكومة السورية والجهات الرسمية:
“كل فعالية ناجحة تحتاج دعماً رسمياً وتنسيقاً مستمراً لتصبح نموذجاً دائماً يربط الجالية السورية بتراثها وهويتها”.
عيد الفطر كجسر بين الهوية والمعرفة:
بين عبق القهوة العربية وصوت الأطفال المردد للآذان والأناشيد، تظل فعالية عيد الفطر في فيتن أكثر من احتفال: إنها مساحة للهوية، للتعلم بالحب، وتجربة إنسانية حية للجالية السورية.
السؤال الذي يتركه الحدث: هل يمكن لهذه المبادرات أن تتحول إلى نموذج دائم يوحد الجالية السورية حول العالم، ويضمن لأطفالها مستقبلاً معرفياً وثقافياً متيناً في الغربة؟