
لن ينتصر الأسد
كتبت الصحفية المتألقة عالية منصور مقالاً بعنوان “كي لا ينتصر الأسد على سوريا“، وانطلقت من فكرة أن الأسد قد ينتصر حتى بعد سقوطه إذا غرقت البلاد في الانتقام والطائفية والكراهية. وهي رسالة تحمل حرصاً صادقاً على مستقبل سوريا، فالعدالة ضرورة، والسلم الأهلي ضرورة، والدولة لا تُبنى على الثأر. لكنني أختلف مع الفكرة الأساسية التي بُني عليها المقال، لأن الأسد خسر يوم تحطم جدار الخوف منذ آذار 2011، وما يجري اليوم، بكل ما فيه من أخطاء وتحديات، لا يشبه سوريا التي حكمها الأسد.
فخلال العام والنصف الماضيين عاش السوريون تجربة مختلفة، واكتشفوا أن بإمكانهم التعبير عن آرائهم، وانتقاد المسؤول، والمطالبة بحقوقهم، والمشاركة في النقاش العام. وهذه التجربة لا يمكن محوها، لأنها أصبحت جزءاً من وعي الناس.
يكفي أن نتذكر الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب، فالكلمة التي استوقفت السوريين أكثر من غيرها كانت كلمة الرئيس أحمد الشرع، التي أكد فيها أن سوريا الجديدة تُبنى على القانون والمؤسسات والعدالة، كما أن الجلسة نفسها لم تتحول إلى مهرجان للتصفيق أو إعلان الولاءات كما اعتاد السوريون لعقود، بل بدا المشهد مختلفاً، أقرب إلى مؤسسة تشريعية تناقش شؤون البلاد. قد لا يكون كل شيء مثالياً، لكن غياب ثقافة التمجيد والتصفيق كان رسالة واضحة بأن زمناً كاملاً قد انتهى.
وتحدثت الكاتبة عن العدالة بوصفها شرطاً لمنع انتصار الأسد، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان. لكن مجرد وجود حديث علني عن العدالة الانتقالية، وبدء محاكمات لعدد من المتورطين في الجرائم والانتهاكات، يؤكد أن سوريا دخلت مرحلة جديدة. ففي عهد الأسد لم يكن أحد يجرؤ على مساءلة مسؤول أو ضابط أو صاحب نفوذ، أما اليوم فقد أصبح المبدأ واضحاً: لا أحد فوق القانون. قد يختلف السوريون حول سرعة المحاكمات أو آلياتها، لكنهم يجتمعون على أن حقوق الضحايا لا تسقط، وأن العدالة هي الطريق إلى الاستقرار.
كما يحذر المقال من خطاب الكراهية والطائفية، وهو تحذير في مكانه، لأن أي تحريض يهدد السلم الأهلي يجب أن يُرفض ويُحاسب أصحابه. لكن الإنصاف يقتضي أيضاً الاعتراف بأن المجتمع السوري، رغم عمق جراحه، لم ينزلق إلى حرب أهلية شاملة بعد سقوط النظام. فقد اختارت الغالبية الدولة على الفوضى، والقانون على الانتقام، والمستقبل على البقاء أسرى للماضي. وهذا بحد ذاته دليل على أن السوريين تعلموا من مأساتهم، وأنهم أكثر نضجاً مما يظنه كثيرون.
لقد تغير السوريون أكثر مما نتخيل. فمن كان يخفض صوته وهو يتحدث في السياسة، يناقش اليوم أداء الوزراء والمسؤولين علناً. ومن كان يخشى كتابة رأي على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح يطالب بالإصلاح والشفافية والمحاسبة. ومن كان يرى الوظيفة العامة حكراً على أصحاب الولاء، بات يتحدث عن الكفاءة وتكافؤ الفرص. قد تبدو هذه التحولات بسيطة، لكنها تمثل تغييراً عميقاً في العلاقة بين المواطن والدولة، وهو تغيير يصعب التراجع عنه.
لن ينتصر الأسد لأن الزمن الذي صنعه انتهى. قد تبقى آثار نظامه في الاقتصاد والإدارة، وقد تحتاج مؤسسات الدولة إلى سنوات لتتعافى، لكن الفكرة التي قام عليها ذلك النظام فقدت قدرتها على حكم السوريين. فالخوف لم يعد وسيلة مقبولة لإدارة المجتمع، والناس لم يعودوا يقبلون أن يكون الحاكم فوق النقد أو المساءلة.
نعم، تحتاج سوريا إلى عدالة انتقالية حقيقية، وإلى محاسبة كل من ارتكب جريمة بحق السوريين، وإلى مصالحة وطنية تحفظ الحقوق ولا تتجاوزها. وتحتاج أيضاً إلى اقتصاد قوي يعيد الأمل للمواطن، لأن نجاح المرحلة الانتقالية لن يقاس بالسياسة وحدها، بل بقدرة الدولة على تحسين حياة الناس وإطلاق عجلة الإنتاج والتنمية.
وأخيراً، لعل أكبر دليل على أن الأسد لن ينتصر هو سقوط الرواية التي حكم بها سوريا لأكثر من نصف قرن. فقد كان يردد، صراحة أو ضمناً، أن سوريا هي الأسد، وأن سقوطه يعني سقوط الدولة. لكن ما حدث أثبت العكس تماماً. سقط الأسد، وبقيت سوريا. واجهت تحديات كبيرة، لكنها لم تختف، بل بدأت تبحث عن طريق جديد. لذلك فإن المعركة اليوم ليست لمنع انتصار الأسد، فقد خسر بالفعل، وإنما لضمان انتصار سوريا. أما السوريون الذين ذاقوا طعم الحرية، فلن يعودوا بإرادتهم إلى قفص العبودية مرة أخرى.