عوامل ثبات تحالف مكة: بين التضامن الإسلامي وحسابات المصلحة

0 13
لماذا اجتمعت السعودية وتركيا وباكستان الآن؟ والسؤال الأصعب: ماذا سيبقيها معاً إذا بدأت حساباتها الأمنية والسياسية في التباعد؟

لا يبدو أن الاتفاق نتاج «عدو مشترك» بالمعنى المباشر. الدول الثلاث تتحرك في بيئة أمنية تغيرت كثيراً خلال الأشهر الأخيرة، بعد الحرب مع إيران وتصاعد التوترات الإسرائيلية والإقليمية، وما رافق ذلك من إعادة نظر في ترتيبات الأمن التقليدية. ومع ذلك، تؤكد باكستان أن الاتفاق دفاعي وغير موجّه ضد دولة بعينها. ومن المهم التمييز هنا بين الظروف التي دفعت إلى الاتفاق وبين الجهة التي يُفترض أن يستهدفها.

الهوية الإسلامية المشتركة تمنح الاتفاق وزناً سياسياً ورمزياً واضحاً، لكنها لا تكفي وحدها لضمان استمراره. وراء الطاولة ثلاث حسابات مختلفة. السعودية تريد توسيع خياراتها الأمنية في إقليم مضطرب، وتركيا تعمل على تعزيز حضورها الإقليمي والاستفادة من قدراتها الدفاعية والصناعية، فيما ترتبط باكستان بعلاقات استراتيجية قديمة مع الرياض وبمصالح مباشرة في الخليج. ما يجمع هذه الحسابات هو الرغبة في توسيع هامش الحركة، لا التطابق الكامل بينها.

وتظهر قيمة الشراكة أيضاً في اختلاف قدرات أطرافها. السعودية تملك الثقل المالي والجغرافي وموقعها في الخليج، وتركيا قاعدة دفاعية وصناعية آخذة في الاتساع، بينما تضيف باكستان خبرة عسكرية ووزناً استراتيجياً مختلفاً. هذا التنوع يمنح الاتفاق مساحة للمناورة، لكنه يترك سؤالاً عملياً حول توزيع الأدوار عندما تتباين تقديرات الدول الثلاث للتهديد.

التحول الأهم يجري في الجانب المؤسسي. ففي 31 أغسطس اجتمعت اللجنة الاستراتيجية والسياسية والدفاعية للمرة الأولى، واتُّفق على إنشاء أمانة عامة في السعودية، إلى جانب تطوير التعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والإنتاج المشترك. وفي تقديري، هذه الخطوة أهم من كثير من العبارات السياسية التي رافقت التوقيع، لأنها تنقل الاتفاق تدريجياً من مستوى الإعلان إلى بناء آليات دائمة.

لكن المؤسسة ستواجه اختبارها الحقيقي عندما تقع أزمة لا يكفي معها إصدار بيان. الاتفاق يعتبر الهجوم المسلح على أي دولة عضواً هجوماً على الدول الثلاث، غير أن ذلك يترك أسئلة عملية مفتوحة: من يحدد مستوى التهديد؟ ما نوع الاستجابة؟ ومن يقررها؟ ومع الهجمات الأخيرة على السعودية، انتقلت هذه الأسئلة من النقاش النظري إلى مستوى الاستعداد المعلن، من دون أن تصل بعد إلى تفعيل رسمي لآلية الدفاع الجماعي. فقد أعلنت تركيا استعدادها لتلبية احتياجات عسكرية سعودية، خصوصاً التقنية، فيما أكدت باكستان التزامها بالاتفاق، مع إبقاء تفاصيل متى وكيف وأين وبأي قوة سيتم التحرك ضمن نطاق السرية التشغيلية.

وهذا يضع الاتفاق أمام معادلة دقيقة. فهو لا يلغي علاقات الدول الثلاث مع القوى الدولية الأخرى، ويمنحها مساحة أوسع للمناورة في ظل الاستقطاب المتزايد بين القوى الكبرى. السعودية وتركيا وباكستان ليست في الموقع نفسه من علاقاتها مع واشنطن أو بكين أو موسكو، ولذلك يبدو الاتفاق أقرب إلى تنويع الخيارات الأمنية منه إلى تشكيل معسكر جديد.

لكن خرائط الأمن نفسها مختلفة. أمن الخليج في قلب الحسابات السعودية، بينما تنظر باكستان إلى جنوب آسيا من موقع مختلف، وتتعامل تركيا مع ملفات تمتد من الناتو إلى سوريا والعراق وإيران. ولهذا فإن التباين بين الحلفاء سيكون أمراً طبيعياً؛ التحدي الحقيقي يبدأ عندما يصبح هذا التباين عائقاً أمام اتخاذ قرار مشترك في لحظة حرجة.

أما في إسرائيل، فقد وصف مسؤول إسرائيلي رفيع، بحسب تقرير لـ«Ynet»، الاتفاق بأنه تحالف موجّه ضد إسرائيل. هذه القراءة لا تكفي وحدها لتحديد وظيفة الاتفاق أو أهدافه، لكنها تكشف أن الترتيب الجديد بدأ يُقرأ في المنطقة باعتباره عاملاً يمكن أن يؤثر في حسابات الأمن الإقليمي.

لا يزال من المبكر الحكم على ثبات «تحالف مكة». الاتفاق وُقّع في أغسطس، وبدأت مؤسساته في التشكل، بينما جاءت الهجمات الأخيرة على السعودية لتضعه أمام اختبار عملي جدي، وإن لم تؤد حتى الآن إلى تفعيل معلن لآلية الدفاع الجماعي. وما سيحدد مستقبله هو قدرة الدول الثلاث على التوفيق بين مصالحها عندما تتباعد، وعلى تحويل الالتزام السياسي إلى آلية يمكن استخدامها عندما تصبح القرارات مكلفة.

ليس في لحظة التوقيع، بل في المسافة بين التعهد والقرار، وبين القرار والقدرة على التنفيذ.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني