حدود التكامل الاقتصادي وفق اتفاقية مكة للدفاع المشترك

0 39

في السابع من أب 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع. هذه الاتفاقية التي وُصفت بأنها “ناتو إسلامي” تجمع ثلاث دول يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي المشترك نحو 3.3 تريليون دولار وسوقاً يتجاوز 380 مليون نسمة، بصادرات تقترب من 630 مليار دولار سنوياً. لكن السؤال الأهم ليس عن الحجم، بل عن العمق: هل يمكن لهذا التحالف أن يتحول من إطار أمني إلى تكامل اقتصادي حقيقي، وما حدود قدرته على إعادة تشكيل نظام إقليمي لا تمعن فيه إسرائيل في تجاوز الخطوط الحمراء؟

إذا كان هناك مجال واحد يمكن للتحالف أن يحقق فيه تقدماً ملموساً، فهو الصناعات الدفاعية. السعودية ظلت لعقود مقيدة في الحصول على الأسلحة الهجومية الأمريكية بسبب التزام واشنطن بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي. هذا القيد جعل الرياض تبحث عن بدائل، وتركيا وباكستان تمثلان الخيار الأكثر جدية.

تركيا طورت صناعة دفاعية تضاهي نظيراتها الأوروبية: طائرات “بيرقدار” بدون طيار، ونظام KAAN للمقاتلات من الجيل الخامس، وأنظمة الدفاع الجوي مثل “حصار” و”كوركوت”. باكستان تمتلك قدرة تصنيعية معتبرة في مجمع الطائرات ومصانع الثقيلة، وخبرة قتالية لا تمتلكها تركيا بنفس القدر. السعودية توفر رأس المال الذي يحتاجه الطرفان لتوسيع الإنتاج وتقاسم تكاليف البحث والتطوير.

تقديرات أولية تشير إلى أن الاتفاق قد يولّد تعاقدات بقيمة 29 مليار دولار على مدى خمس سنوات، تشمل صادرات دفاعية سعودية موجهة لباكستان وتركيا، ومشاريع مشتركة ممولة سعودياً داخل باكستان، وتكنولوجيا إنتاج تركي.

هل يشكل هذا التحالف رادعاً حقيقياً لسياسات اليمين الإسرائيلي المتطرف؟

الإجابة تتطلب التمييز بين القدرة والإرادة.

من ناحية القدرة، الجمع بين القوة النووية الباكستانية، والقدرات الجوية التركية، والتمويل السعودي، يشكل كتلة يصعب تجاهلها. من ناحية الإرادة، الصورة ضبابية. الأهداف المعلنة للاتفاق لا تسمي إسرائيل، بل تتحدث عن “الردع الجماعي” و”الدفاع عن السيادة”. السعودية وتركيا لديهما رؤى مختلفة للتهديدات: الرياض ترى إيران ووكلاءها كخطر أول، بينما أنقرة ترى إسرائيل تهديداً أكبر من إيران.

تجربة الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران في 2026 كشفت الحدود العملية للالتزامات. باكستان، رغم اتفاقها الثنائي مع السعودية، لم تتدخل خلال المرحلة الأولى من الحرب. بل سمحت لإيران بتحويل تجارتها عبر أراضيها لتجاوز الحصار البحري الأمريكي. ولم ترسل قوات إلى السعودية إلا بعد أكثر من شهر من بدء الحرب، وبالتزامن مع اتفاق وقف إطلاق النار. هذا السلوك يكشف أن باكستان تتعامل مع التحالف بعقلية “البيع الاستراتيجي” ـ تقديم التزامات رمزية مقابل مكاسب اقتصادية، دون تحمل تكاليف عسكرية حقيقية.

الاتفاق الذي وُقع في مكة، لم يتضمن أي بند محدد حول فلسطين. الدول الثلاث أصدرت مع دول أخرى بياناً مشتركاً في آب 2026 يدين خطط الاستيطان الإسرائيلية في منطقة E1 ويدعو إلى حل الدولتين. لكن البيانات الدبلوماسية تختلف عن الالتزامات الدفاعية.

التحالف السعودي – الباكستاني – التركي، في أفضل حالاته، يمكن أن يرفع تكلفة العدوانية الإسرائيلية ويزيد من عزلة اليمين المتطرف دولياً. لكنه لا يشكل بديلاً عن التسوية السياسية التي تظل شرطاً لأي استقرار إقليمي حقيقي.

الأهمية الحقيقية لاتفاق مكة لا تكمن فيما ينص عليه، بل فيما يعكسه: تحول في الإدراك الاستراتيجي لدول المنطقة بأن الأمن لم يعد يُستورد من واشنطن بالكامل. السعودية تحاول تقليل اعتمادها على الضمانات الأمريكية التي أثبتت محدوديتها، وتركيا تستثمر في عمقها الاستراتيجي كدولة عقدية بين الشرق والغرب، وباكستان تبيع موقعها الجيوسياسي لمن يدفع أكثر.

هذا لا يعني أن النظام الإقليمي الجديد سيكون معادياً لإسرائيل. يعني أنه سيكون أقل انصياعاً للرغبات الأمريكية، وأكثر قدرة على المناورة بين القوى الكبرى. الصين، التي توسطت بين السعودية وإيران في 2023، تراقب هذا التحول باهتمام، وقد تجد فيه فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي دون تحمل تكاليف أمنية.

القيمة الحقيقية للاتفاق قد تكون في تحويله إلى منصة للتنسيق الاقتصادي طويل الأمد: مشاريع بنية تحتية مشتركة، سلاسل إمداد دفاعية، تبادل تكنولوجي، وممرات تجارية بديلة عن الممرات البحرية المعرضة للتهديد. هذه المشاريع، إذا تحققت، قد تغير حسابات القوة في المنطقة بشكل أعمق من أي بند دفاعي. لكنها تحتاج إلى أكثر من قمة في مكة، تحتاج إلى إرادة سياسية مستدامة، وآليات مؤسسية، وثقة متبادلة تتراكم عبر سنوات من التنفيذ الفعلي لا عبر البيانات الرسمية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني