
شبكة النخب السورية العالمية… نحو اقتصاد المعرفة الموزّع
كيف يمكن تحويل الشتات السوري إلى شبكة إنتاج معرفي عالمية مرتبطة بسوريا؟.
غادر سوريا خلال العقد الأخير أعداد كبيرة من الأطباء والمهندسين والأكاديميين والمبرمجين ورواد الأعمال والطلاب الجامعيين. ومع الوقت، أندمج قسم كبير منهم في اقتصادات متقدمة تمتلك بيئات إنتاج معرفي عالية الكفاءة. في كندا على سبيل المثال، دخل السوريون بقوة إلى قطاعات الطب والهندسة والتكنولوجيا والخدمات المهنية. وفي ألمانيا، برزت نسبة مرتفعة من السوريين في القطاع الصحي، وضمن برامج التعليم التقني والهندسي، بينما تشكلت شبكات مهنية سورية متنامية في مجالات البرمجيات والبحث العلمي وريادة الأعمال. لكن المفارقة الأساسية أنّ هذا النجاح بقي نجاحاً فردياً. أي أنّ السوريين نجحوا كأفراد داخل اقتصادات الدول المضيفة، لكن من دون أن يتحول هذا النجاح إلى بنية اقتصادية سورية عابرة للحدود. وهنا تحديداً يظهر مفهوم اقتصاد المعرفة الموزّع.
يُعرّف اقتصاد المعرفة الموزّع بأنه نموذج اقتصادي لا تُحتكر فيه المعرفة والخبرة والإنتاج الفكري داخل دولة مركزية أو مؤسسة واحدة، بل تتوزع عناصره عبر شبكة عالمية من الأفراد والمؤسسات المرتبطة رقمياً ومهنياً. في هذا النموذج، لا تصبح الثروة مرتبطة فقط بالمكان أو الموارد الطبيعية أو المصانع التقليدية، بل بقدرة الشبكات البشرية على إنتاج المعرفة وتبادلها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. بمعنى آخر، يمكن لطبيب سوري في تورنتو أن يشارك في تطوير نظام صحي رقمي يخدم مؤسسات داخل سوريا، كما يمكن لمهندس برمجيات في برلين أن يعمل ضمن شركة ناشئة مرتبطة بسوق سوري أو عربي، ويمكن لأستاذ جامعي في باريس أن يشرف على مشاريع بحثية لطلاب داخل الجامعات السورية من دون حاجة إلى انتقال دائم. هنا تصبح الجغرافيا أقل أهمية من الاتصال الشبكي، وتصبح المعرفة مورداً عابراً للحدود.
هذه التحولات أصبحت جزءاً من بنية الاقتصاد العالمي الجديد. الهند، على سبيل المثال، لم تتحول إلى قوة تكنولوجية عالمية فقط بسبب استثمارات الداخل، بل أيضاً بسبب الشبكات الهندية المنتشرة في وادي السيليكون وأوروبا وأمريكا الشمالية. أما الصين، فقد تبنت نموذجاً مختلفاً وأكثر مرونة. فبدلاً من التركيز على استعادة العقول المهاجرة بشكل دائم، بنت بكين منظومات تعاون عابرة للحدود مع الباحثين الصينيين في الخارج. نشأت مختبرات مشتركة، وبرامج العائد المؤقت، وتمويلات بحثية مزدوجة، بحيث أصبح بالإمكان إنتاج المعرفة داخل الصين وخارجها في آن واحد.
في المقابل، ما تزال العلاقة السورية مع الشتات محكومة بمنطق التحويلات المالية التقليدية. تشير بيانات البنك الدولي إلى أنّ تحويلات السوريين من الخارج تجاوزت في بعض السنوات 5 مليار دولار، إلا أنّ الجزء الأكبر منها بقي موجهاً للاستهلاك والمعيشة، لا للاستثمار أو بناء منظومات إنتاجية طويلة الأمد. هذا يعني أنّ العلاقة بين الداخل والخارج بقيت علاقة مالية فردية وليس علاقة مؤسساتية معرفية. فلا توجد قاعدة بيانات شاملة للكفاءات السورية في الخارج، ولا منصات بحثية تربط الجامعات السورية بمراكز الأبحاث العالمية التي يعمل فيها السوريون، ولا سياسات رسمية لتحويل الشتات إلى شبكة إنتاج اقتصادي ومعرفي متكاملة. والنتيجة هي ما يمكن وصفه بـ النجاح الفردي غير المُراكِم. أي وجود آلاف السوريين الناجحين في مجالاتهم، لكن من دون وجود آلية تربط نجاحاتهم ببعضها ضمن مشروع اقتصادي أو معرفي جماعي. تكمن المشكلة هنا في أنّ الدول التقليدية ما تزال تفكر بمنطق الجغرافيا والسيادة المركزية، بينما يتحرك الاقتصاد العالمي الجديد بمنطق الشبكات العابرة للحدود. في عالم التكنولوجيا والعمل الرقمي والذكاء الاصطناعي والتعليم عن بعد، لم يعد ضرورياً أن يعيش المنتج المعرفي داخل الدولة نفسها كي يساهم في اقتصادها. ولهذا، فإنّ التحول الحقيقي المطلوب في الحالة السورية لا يتعلق فقط بإعادة الإعمار المادي، بل بإعادة بناء الهندسة الاجتماعية للمعرفة. أي خلق منظومة قادرة على ربط السوريين عالمياً ضمن بنية إنتاج مشتركة. يمكن تصور هذا التحول عبر عدة مستويات متكاملة:
أولاً: إنشاء منصات رقمية متخصصة تربط الكفاءات السورية في الخارج بالمؤسسات الأكاديمية والاقتصادية داخل سوريا. هذه المنصات لا يجب أن تكون مجرد قواعد بيانات جامدة، بل شبكات تفاعلية للإنتاج والتدريب والاشراف.
ثانياً: تطوير نموذج الخبير الزائر الافتراضي، بحيث يشارك الأكاديميون والمهنيون السوريون في الخارج في التدريس والإشراف والاستشارات والبحث العلمي عبر أدوات الاتصال الرقمي. لقد أثبتت جائحة كوفيد-19 أنّ جزءاً كبيراً من الاقتصاد المعرفي العالمي يمكن أن يعمل عن بعد بكفاءة عالية.
ثالثاً: إنشاء صناديق استثمار معرفي صغيرة الحجم وعالية المرونة، تربط رجال الأعمال السوريين في الخارج برواد الأعمال الشباب في الداخل. ويمكن لهذه الصناديق أن تركز على قطاعات منخفضة الكلفة وعالية القيمة المضافة، مثل التكنولوجيا الزراعية، والصحة الرقمية، والتعليم الإلكتروني، والحلول البرمجية، والطاقة البديلة.
رابعاً: تأسيس شبكات مهنية سورية عالمية متخصصة بحسب القطاعات، شبكة للأطباء، وأخرى للمهندسين، وثالثة للمبرمجين، ورابعة للباحثين والأكاديميين. فالقوة الحقيقية للاقتصاد الشبكي لا تأتي من الأفراد المعزولين، بل من كثافة الروابط بين الخبرات.
بهذا، قد لا تكون عودة النخب هي السؤال الصحيح أصلاً. السؤال الأهم ربما هو: كيف يمكن لسوريا أن تبني نموذجاً اقتصادياً يسمح للنخب السورية بالمشاركة في إنتاج القيمة الوطنية من أي مكان في العالم؟.