المركز الذي يسكن الأطراف

0 9

سوريا 2040: مشروع وطني من دولة الريع إلى دولة الفرص (4)

بعد ثلاث مقالات تناولت أهمية الشرق السوري بوصفه محركاً للتنمية، واختباراً لقدرة الدولة على إدارة الثروة والسلطة، ومدخلاً لعقد اجتماعي تنموي جديد، لم يعد السؤال: ما الذي ينبغي فعله؟ بل كيف يمكن تحويل هذه الرؤية إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ يمتلك مؤسسات تحمله، واقتصاداً يموله، ومجتمعاً يؤمن به.

التحول الكبير المطلوب

الدرس التاريخي الذي تكرر مراراً هو أن الدول لا تسقط فقط بسبب فقدان الموارد، بل حين تتحول إلى «دولة ريع» تعيش على استخراج الثروة وتوزيعها دون بناء قدرات إنتاجية أو علاقة ثقة عميقة مع مجتمعاتها.

سوريا 2040 يجب أن تكون مختلفة تماماً: دولة إنتاجية تعتمد على القيمة المضافة، وتستثمر في رأس المال البشري، وتجعل من المنطقة الشرقية قاطرة حقيقية للنهوض الوطني.

والفرق الأساسي مع تجارب مثل دبي واضح؛ فدبي اضطرت إلى استيراد ملايين العمال لبناء اقتصادها، أما سوريا فتمتلك ثروة بشرية هائلة من الشباب الطموح الذين ينتظرون فرصة حقيقية داخل وطنهم.

هذا الإنسان السوري – بطاقته وإرادته وأحلامه – هو الرأس المال الحقيقي الذي يميز مشروعنا الوطني عن غيره.

فالثروات الطبيعية قد تمنح الدول فرصة للنهوض، أما الثروة البشرية فهي التي تحدد قدرتها على الاستمرار.

خارطة التحول الوطني

المرحلة الأولى: الاستقرار وبناء الثقة (2029-2026)

كل بناء مستدام يبدأ باستعادة الثقة. ويشمل ذلك توحيد المؤسسات الأمنية والإدارية، وتعزيز التماسك المجتمعي ومعالجة آثار النزاع، وإعادة تأهيل البنية التحتية الحرجة، وإطلاق مشاريع طوارئ للتشغيل السريع.

وفي قلب هذه المرحلة يجب أن يقوم نظام شفافية كامل لإيرادات الموارد، تُنشر بياناته بصورة دورية ومنتظمة.

المرحلة الثانية: التحول الإنتاجي وقيادة الشرق (2035-2029)

لن يكون الشرق السوري مجرد مستفيد من هذه المرحلة، بل محركها الرئيسي، بما يمتلكه من موارد ومساحة ورأس مال بشري يؤهله لقيادة دورة نمو وطنية جديدة.

وفي هذا الإطار يمكن أن تتكامل الأدوار التنموية على النحو الآتي:

  • دير الزور: مركز للصناعات البتروكيماوية والتحويلية.
  • الحسكة: قاعدة للأمن الغذائي وسلاسل القيمة الزراعية.
  • الرقة: عقدة لوجستية تربط الإنتاج بالأسواق المحلية والإقليمية.

ويترافق ذلك مع برامج تدريب مهني واسعة توجه الطاقات الشابة نحو القطاعات الإنتاجية الواعدة.

المرحلة الثالثة: اقتصاد المعرفة والاستدامة (2040-2035)

في هذه المرحلة تنتقل سوريا من اقتصاد التعافي إلى اقتصاد التنافسية، عبر التوسع في الرقمنة، والابتكار الزراعي، والطاقة المتجددة، والخدمات المتقدمة.

وهنا يصبح الشاب السوري شريكاً أساسياً في صناعة المستقبل، لا مجرد مستفيد من نتائجه.

من يحمل المشروع الوطني؟

مشروع سوريا 2040 ليس مشروع حكومة، بل مشروع مجتمع كامل.

ويقوم هذا المشروع على شراكة واسعة تشمل:

  • الدولة بوصفها الضامن الاستراتيجي والمؤطر السيادي.
  • القطاع الخاص السوري والمغترب بوصفه محرك الاستثمار والابتكار.
  • المجتمعات المحلية في الشرق بوصفها الحاضنة الاجتماعية والشريك الحقيقي.
  • الشباب بوصفهم القوة العاملة والابتكارية.
  • الجامعات ومراكز البحث بوصفها منتج المعرفة.
  • منظمات المجتمع المدني بوصفها وسيط الثقة والمساءلة.

من سيقاوم هذا التحول؟

لن يكون الانتقال من دولة الريع إلى دولة الفرص سلساً، لأن كل نظام ريعي يُنتج مع الزمن شبكات مصالح تتغذى على استمراره.

فالبيروقراطيات المتضخمة التي تعيش على توزيع العطاءات لا على خلق القيمة، والاحتكارات التجارية التي نشأت في ظل غياب المنافسة، وبعض أشكال الوساطة السياسية التي تحوّل الموارد العامة إلى نفوذ خاص؛ جميعها قد تنظر إلى الإصلاح الهيكلي بوصفه تهديداً لمكتسباتها أكثر من كونه فرصة وطنية.

ولهذا فإن سوريا 2040 لن تُبنى بالرؤى والخطط وحدها، بل بقدرة الدولة والمجتمع معاً على تشكيل ائتلاف واسع يدافع عن الاقتصاد الإنتاجي بوصفه مصلحة عامة حقيقية، في مواجهة قوى ستجد في استمرار الريع مصلحة مباشرة، وفي نجاح التحول التنموي تهديداً لمواقعها ونفوذها.

المؤسسات التي تحمل المشروع

ولا يمكن لأي مشروع وطني طويل الأمد أن يعتمد على الحكومات المتعاقبة وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسات مستقرة قادرة على حماية الرؤية من تقلبات السياسة والاقتصاد.

ومن أبرز هذه المؤسسات:

  • هيئة عليا لتنمية المنطقة الشرقية، بمشاركة محلية واسعة وصلاحيات تنفيذية.
  • مجلس أعلى للتنمية الاقتصادية الوطنية.
  • صندوق سيادي تنموي يخصص جزءاً من إيرادات الموارد للاستثمار طويل الأمد.
  • منصة وطنية للشفافية تضمن المحاسبة العلنية.

في الختام

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الدول لا تسقط عندما تفقد مواردها فحسب، بل عندما تفقد قدرتها على تحويل مواردها إلى فرص، وفرصها إلى ثقة، وثقتها إلى مشروع وطني جامع.

لقد آن الأوان أن تنتقل سوريا من سؤال استعادة الموارد إلى سؤال صناعة المستقبل.

فالنفط يمكن أن ينضب، والقمح يمكن أن يتراجع، لكن المجتمعات التي تنجح في بناء الإنسان والمؤسسات والثقة تملك القدرة على النهوض مرة بعد أخرى.

ومن هنا فإن معركة سوريا الحقيقية ليست معركة إعادة الإعمار، بل معركة إعادة التأسيس.

الشرق السوري، الذي ظل لعقود «المركز الذي يسكن الأطراف»، يستعد اليوم ليصبح قاطرة النهوض الوطني. وإذا امتلكنا الشجاعة لتحويل الرؤية إلى مشروع يحمله الجميع، فإن سوريا لن تعيد بناء ما دُمّر فحسب، بل ستعيد اكتشاف نفسها من جديد.

الفرصة تاريخية، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في امتلاكها، بل في القدرة على اغتنامها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني