اللغو

0 11

أطلقت العرب، ساخرةً، على اللغو اسم «القيل والقال»، أي كلام لا فائدة منه. واللغو ليس من اللغة، بل من لغا يلغو، أي القول المبتذل. غير أن خطابَه يتجاوز هذا التعريف البسيط، فهو نمط من القول يشتغل على إزاحة الحقيقة، وإضعاف العقل، وإفساد الذوق.

وليس المقصود به أحاديث العوام أو سمر المجالس، بل هو خطاب واعٍ موجَّه.

ويمكن تعريفه بأنه: كل خطاب يبدّد الوعي في الجزئيات، ويعطّل إدراك الكلي، ويشوّه العقل والذوق، قصد صاحبه أم لم يقصد.

واللغو ظاهرة عامة في الثقافات، لكنه في البنى الدكتاتورية يتضخم ليحتل الفضاء العام والفن، ويغدو علامة على الانحطاط.

ويتسرب إلى كل أشكال الوعي، بما فيها الوعي الجمالي، فتفقد الفنون جوهرها: ينحدر الشعر إلى المباشرة، وتتحول اللوحة إلى محاكاة بائسة، وتغدو الأغنية إثارة غرائز خام، أحياناً مرتبطة بثقافة العنف والميليشيا.

ويرتبط هذا الانحطاط تاريخياً بالدكتاتورية والعسكرتارية والقومجية والطائفية، حيث يصبح اللغو جزءاً من بنية القمع، وتعبيراً جمالياً عن قبح الواقع.

أما الفلسفة فوظيفتها تفكيك هذه البنية وتحرير المجال العام من هيمنة اللغو، دون أن تلغيه كلياً، لأنه احتمال بشري دائم، لكنه يتضخم في أنظمة القمع.

وفي الواقع الراهن، تتجلى أشكال من اللغو في الفضاء الرقمي: شجار، نميمة، شتائم، وأخبار مفبركة، تصنع ضجيجاً يشتت الوعي ويُنسي القضايا العادلة، وهو تعبير عن فراغ روحي وعقلي. إنه، كما قلنا، ثمرة تعصب قومي فج، وتعصب طائفي كريه، وتعصب أيديولوجي ولّى زمانه، وشهوة حضور عاجزة.

وأخطر ما في اللغو أنه لا يكتفي بإنتاج كلام بلا قيمة، بل يحوّل الوعي إلى انشغال بالجزئيات هرباً من الهمّ الكلي. فحادثة صغيرة أو شائعة أو خصومة شخصية تُضخَّم حتى تحجب الأسئلة الكبرى: المصير، الحرية، الوطن، والإنسان.

وهكذا يتحول الجزئي من أداة للفهم إلى وسيلة للإخفاء. فالجزئي قد يكون مدخلاً إلى الكلي، لكنه يصبح لغواً حين يُفصل عنه ويُستعمل بديلاً منه.

فالوعي الأصيل يردّ الجزئيات إلى سياقها الكلي، بينما الوعي الزائف يفتت الكلي إلى تفاصيل متناثرة كي يتجنب مواجهته. لذلك فإن الانشغال بالتفاصيل ليس دائماً علامة وعي، بل قد يكون علامة عجز عن حمل السؤال الكبير.

وحين يتحول اللغو إلى تعبير عن الهزيمة، يغدو خطاباً بلا مرجع، وأخباراً بلا مصدر، وكذباً يعوّض عجز الفعل بانتصارات وهمية، فيصير ستاراً نفسياً للهزيمة.

في المقابل، ينشغل الوجود الأصيل بالمعنى والمصير والكرامة الإنسانية، وبالممكن، محوِّلاً قلقه إلى إبداع، بينما ينشغل الوجود الزائف بالحضور العابر عبر الضجيج والشتيمة والادعاء.

ويظهر هذا التمايز بوضوح في لحظات التحول التاريخي، حيث يغدو السؤال عن الكلي سؤالاً عن المصير نفسه، ويصبح الهروب إلى الجزئيات شكلاً من الهروب من التاريخ. ففي المراحل الانتقالية، حيث الفوضى والاختلاف، يسود الردح والمدح والذم، والتخفي وراء الهراء.

فالوجود الأصيل يندرج في الهمّ الكلي ويجعل من مصير الإنسان همّه الفردي، بينما الوجود الزائف يتشتت في وقائع صغيرة لا معنى لها، هارباً من السؤال الكبير إلى التفاهة اليومية.

وهكذا يبلغ اللغو ذروته: حين لا يكون مجرد كلام بلا معنى، بل أداة لحجب المعنى نفسه.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني