أهمية قيام الحكومة الانتقالية بالحفاظ على المواقع الأثرية واستعادة القطع الأثرية المسروقة

0 12

تواجه الحكومة الانتقالية في سوريا تحدّياً محورياً في مرحلة إعادة بناء الدولة، يتمثّل في حماية المواقع الأثرية واستعادة القطع التي نُهبت خلال سنوات الحرب. فالتراث السوري ليس مجرد مبانٍ قديمة أو قطعٍ حجرية، بل هو سجلّ الهوية الوطنية وذاكرة المجتمع التي تعرّضت لاعتداءات واسعة، من التخريب إلى التهريب والاتجار غير المشروع. إن الحفاظ على هذا الإرث يشكّل خطوة أساسية لإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، ولتأكيد أن المستقبل يُبنى على أسس راسخة من التاريخ والانتماء.

تضمّ سوريا آلاف المواقع الأثرية الممتدة عبر حضارات متعددة، من الآراميين واليونان والرومان إلى العصور الإسلامية، لكن هذه المواقع شهدت خلال السنوات الماضية دماراً كبيراً نتيجة العمليات العسكرية، والتنقيب غير الشرعي، والتعدّيات العمرانية، وغياب الرقابة. لذلك يصبح من الضروري أن تضع الحكومة الانتقالية خطة واضحة لحماية هذه المواقع، باعتبارها جزءاً من الأمن، وليس مجرد قطاع ثقافي.

تبدأ هذه الخطة بتأمين المواقع الأثرية عبر نشر فرق مختصّة، وتفعيل الرقابة، ومنع أي نشاط غير قانوني داخل المناطق التاريخية. كما يتطلّب الأمر إطلاق برنامج ترميم عاجل للمواقع المتضرّرة في دمشق القديمة، وتدمر، وبصرى، وشهبا وغيرها، بما يعيد لهذه الأماكن قيمتها الجمالية والبحثية. ويُعدّ تحديث سجلات الجرد الأثري خطوة أساسية لضمان معرفة ما فُقد وما بقي، ولتسهيل عمليات التوثيق والملاحقة القانونية.

أما على مستوى القطع الأثرية المسروقة، فقد خرجت آلاف القطع من البلاد خلال سنوات الحرب، ووصل بعضها إلى مزادات عالمية؛ لذلك يجب على الحكومة الانتقالية تفعيل التعاون مع اليونسكو والإنتربول، وفتح ملفات رسمية لاستعادة القطع المعروضة في الخارج، إضافة إلى ملاحقة شبكات التهريب التي ما زالت تعمل داخل البلاد وخارجها. هذه الجهود ليست ثقافية فقط، بل سياسية أيضاً، لأنها تعيد الاعتبار لسيادة الدولة على إرثها التاريخي، وتؤكد قدرتها على حماية ممتلكاتها الوطنية.

إلى جانب البعد الثقافي، يشكّل التراث الأثري رافعة اقتصادية مهمة؛ فإحياء المواقع التاريخية وتنشيط السياحة الثقافية يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة، ويعيد الحركة التجارية إلى المدن القديمة، ويمنح المجتمعات المحلية مصدر دخل مستدام. كما أن دعم الحرف التراثية يعزّز الصناعات التقليدية التي ترتبط مباشرة بالهوية السورية، ويمنح الحرفيين فرصة للاندماج في الاقتصاد الجديد.

في النهاية، إن حماية التراث واستعادة المسروق منه ليست مهمة ثانوية، بل اختبار حقيقي لجدّية الحكومة الانتقالية في بناء دولة تحترم تاريخها وتعيد الثقة لشعبها. فالتراث هو الجسر الذي يصل الماضي بالمستقبل، وحمايته تعني حماية الهوية التي تجمع السوريين مهما اختلفت ظروفهم.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني