السوريون في ألمانيا: هل يكفي الاندماج لتجاوز الانقسام المناطقي؟

0 10

قد تتجاوز دلالات مباراة كرة السلة بين ناديي الوحدة الدمشقي والكرامة الحمصي حدود المنافسة الرياضية، عندما تتحول بعض ردود الفعل إلى تعبير عن انتماءات مناطقية أو مواقف تجاه الآخرين. لكن هل تكفي هذه التفاعلات للحكم على طبيعة الانقسام في المجتمع السوري؟ وهل تساعد تجربة السوريين في ألمانيا وأوروبا على تجاوز انقسامات عمّقتها سنوات الحرب، أم أنها تستمر رغم تغير المكان وظروف الحياة؟

في قراءته لهذه المسألة، يدعو أستاذ وباحث السوسيولوجيا السياسية الدكتور طلال المصطفى إلى عدم التعميم انطلاقاً من مباراة واحدة، أو الخلط بين الاعتزاز بالمدينة والتعصب المناطقي. فالمشكلة، وفق تحليله، لا تكمن في الانتماء المحلي بحد ذاته، بل تبدأ عندما يتحول إلى وسيلة للإقصاء أو الانتقاص من الآخرين أو التشكيك في حقوقهم ومكانتهم.

المناطقية… جذور تتجاوز المنافسة الرياضية:

يربط الدكتور المصطفى الانقسامات المناطقية بسياقات سياسية واقتصادية واجتماعية تراكمت عبر عقود. فالتنوع السوري في المدن والمناطق والثقافات، بحسب رؤيته، ليس عائقاً أمام الوحدة الوطنية؛ وإنما تتفاقم التوترات عندما يشعر الناس بأن فرص العمل والتعليم والخدمات والموارد لا تتوزع بعدالة.

ويفسر ذلك بأن الاستبداد الأسدي أضعف الحياة السياسية المستقلة والتنظيمات المدنية والنقابية، وضيّق قنوات المشاركة والتعبير. وعندما تعجز المؤسسات عن ضمان المواطنة المتساوية، قد تتحول الروابط العائلية والمناطقية والطائفية إلى شبكات للحماية والتضامن، خصوصاً إذا بدا أن الحصول على الفرص مرتبط بالعلاقات الشخصية أو القرب من مراكز النفوذ.

ويضيف المصطفى أن الثورة والحرب والتهجير والخسارات وتجارب السوريين المتباينة في مناطق السيطرة المختلفة عمّقت التباعد بينهم. كما أسهمت الروايات السياسية والإعلامية المتنافسة في ترسيخ صور نمطية عن جماعات ومناطق أخرى. ومن هذا المنظور، لا تمثل المناطقية صفة ثابتة في المجتمع السوري، بل ظاهرة تتأثر بالعدالة والأمان وطبيعة المؤسسات وقدرة المجتمع على التعامل مع ذاكرته المؤلمة.

الاندماج في أوروبا لا يمحو الانقسامات تلقائياً:

ينتقل تحليل الدكتور طلال المصطفى إلى تجربة السوريين في ألمانيا وأوروبا، حيث تتيح المدارس والجامعات وأماكن العمل والجمعيات فرصاً للتعارف بين أشخاص من خلفيات مختلفة، ضمن قواعد مشتركة وحقوق قانونية. وقد تساعد هذه اللقاءات على مراجعة الصور المسبقة وتوسيع العلاقات خارج حدود المنطقة أو الجماعة التي ينتمي إليها الفرد.

لكن الدكتور المصطفى يشدد على ضرورة التمييز بين الاندماج في المجتمع المضيف والتحول في طبيعة الانتماء الوطني السوري. فتعلم اللغة والعمل واحترام القوانين لا يعني تلقائياً تجاوز الأحكام المسبقة أو المواقف المناطقية والطائفية والسياسية السابقة. وقد يندمج المرء مهنياً واجتماعياً في ألمانيا، مع احتفاظه بنظرة إقصائية تجاه سوريين يختلفون عنه.

ولا يختزل المصطفى تجربة السوريين في أوروبا في مسار واحد؛ فبعضهم يوسّع دائرة علاقاته ويشارك في أنشطة مدنية وثقافية ومهنية تجمع أشخاصاً من خلفيات متعددة، بينما يعتمد آخرون بدرجة أكبر على الأقارب وأبناء المنطقة والأصدقاء القدامى. ولا يعدّ الاحتفاظ بهذه الروابط دليلاً بحد ذاته على رفض الاندماج أو التعصب، إذ قد توفر دعماً اجتماعياً ونفسياً في مواجهة صعوبات اللغة والعمل وظروف اللجوء. إنما تكمن المشكلة عندما تتحول إلى حواجز تمنع التواصل أو تبرر التمييز.

ويشير تحليله أيضاً إلى أن الانقسامات السياسية والمناطقية قد تستمر في المهجر، وأن منصات التواصل الاجتماعي قادرة على إعادة إنتاجها عبر الخلافات المتعلقة بالحرب ومستقبل سوريا واختلاف التجارب الشخصية. وفي المقابل، تتيح الأعمال المشتركة والتطوع والجمعيات والأنشطة الثقافية فرصاً لبناء الثقة بين أشخاص لم تجمعهم سابقاً روابط مباشرة.

المواطنة تُبنى بالممارسة:

بالنسبة إلى الدكتور طلال المصطفى، لا تُبنى الهوية الوطنية بالشعارات أو بمطالبة الناس بنسيان اختلافاتهم، بل من خلال تجربة يومية يشعر فيها المواطن بأن حقوقه وكرامته محفوظتان، بصرف النظر عن منطقته أو خلفيته. لذلك، يرتبط تجاوز الانقسام بوجود مؤسسات عادلة، وفرص متكافئة، وقنوات حقيقية للمشاركة، إلى جانب تعليم يعزز التفكير النقدي واحترام التنوع، وإعلام لا يحوّل الاختلاف إلى خصومة.

وفي هذا السياق، يمكن للسوريين في ألمانيا وأوروبا أن يسهموا في بناء سوريا من خلال خبراتهم في الإدارة والتعليم والعمل النقابي وتأسيس الجمعيات، مع تكييف هذه الخبرات مع الواقع السوري بدل نقل التجارب الأوروبية بصورة آلية. كما أن توسيع التعاون عبر المبادرات المهنية والطلابية والثقافية والرياضية يتيح بناء علاقات تتجاوز الانتماءات الموروثة.

ويؤكد هذا التصور أن بناء الهوية الوطنية لا يستلزم التخلي عن الانتماء إلى مدينة أو منطقة، كما أن الاندماج في أوروبا لا يعني التخلي عن الهوية السورية. فهذه الانتماءات قادرة على التعايش، ما دامت لا تتحول إلى مبرر لمنح فئة حقوقاً إضافية أو الانتقاص من حقوق الآخرين.

وبين تجربة السوريين في المهجر وتحديات بناء الدولة في سوريا، يضع تحليل المصطفى المواطنة المتساوية في قلب المسألة: فالتنوع لا يصبح مصدراً للانقسام لمجرد وجوده، وإنما عندما تغيب الضمانات التي تحمي الحقوق وتتيح الاختلاف دون إقصاء.

فهل يستطيع السوريون تحويل اختلاف مناطقهم وتجاربهم إلى أساس للتعارف والتعاون، وبناء دولة تحمي تنوعهم وتضمن حقوقهم بالتساوي، بحيث يصبح الانتماء إلى الوطن مساحة مشتركة للجميع، لا حاجزاً يفصل بعضهم عن بعض؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني