الثورة السورية ما بين التوصيف والتساؤل

0 15

د. فادي غزال، د. محمود العبدالله

من حوارات المدرسة النقدية الحيوية

هل أكلت الثورة السورية أبناءها؟

قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال الافتراضي، ينبغي تحديد وتوصيف من هم أبناء الثورة السورية؛ فهل هم ثوار المرحلة السلمية الأولى من عمر الثورة السورية (2011-2012)؟ أم ثوار مرحلة الكفاح الشعبي المسلح والجيش الحر؟ أم ثوار التيار السلفي الجهادي في المراحل الأخيرة من عمر الثورة؟ فاختلاف التوصيف سيؤدي بالضرورة إلى اختلاف مِصداقية الحكم على هذه المقولة. لنتساءل هنا أيضاً: هل معظم قتلى/شهداء الثورة السورية قضوا نحبهم على يد زملائهم الثوار؟ أم على يد السلطة الأسدية التي قامت الثورة السورية ضدها؟ (هل الثورات تأكل أبناءها؟ في مساءلة السؤال، حمزة رستناوي- محمد العبدالله، موقع حروف)

تعقيب فادي غزال:

أعتقد أن تقسيم الثورة السورية بين ثوار المرحلة السلمية، وثوار مرحلة الجيش الحر، وثوار مرحلة الفصائل الجهادية السلفية ليس دقيقاً. فالكثيرون ممن حملوا السلاح لاحقاً هم أنفسهم الذين خرجوا في مظاهرات عام 2011 وهم ينادون: (سلميّة، سلميّة…). إنهم الثوار أنفسهم، لكنهم مرّوا بتحول فرضته عليهم ظروف الصراع؛ فعندما يرى المتظاهر أن قوات الأمن، التي يُفترض أن تحميه، تطلق النار عليه، فمن الطبيعي أن يقتنع بأن السلمية وحدها لم تعد كافية، فينتقل إلى الكفاح المسلح. أما الطابع الإسلامي الذي اتخذته كثير من الفصائل في إدلب وحمص وحماة والغوطة، فلا ينبغي أن يفاجئ أحداً منا. فغالبية السوريين مسلمون، ومن الطبيعي أن ينتظم جزء كبير منهم ضمن أطر ذات مرجعية إسلامية، كما يحدث في كثير من المجتمعات عندما تضعف مؤسسات الدولة أثناء الحروب. وهذا لا يعني أن الثورة نفسها كانت ثورة سلفية منذ بدايتها، بل يعني أن هوية المجتمع المسلم انعكست على جزء من تشكيلاته المسلحة.

نقطة ثانية ينبغي التوقف عندها: الثورة لا تأكل أبناءها، لكن قد يحدث أن يأكل الثوار بعضهم بعضاً عندما تتحول المنافسة على المبادئ إلى “صراع” على السلطة. في الحالة السورية، أجد أن مصطلح “الانتفاضة الشعبية” أقرب إلى الواقع من مصطلح “الثورة” في بداياتها. فالناس خرجوا في درعا أولاً من أجل الكرامة ثم لحقت بها باقي المدن، لكن آنذاك لم تكن هناك أي أيديولوجيا ثورية موحدة أو منظّرون يقودون مشروع فكري متكامل.

تعقيب محمود العبدالله:

لا يسعني سوى شكر الدكتور فادي على هذه ملاحظاته القيمة. ألفت النظر إلى مستويين يجب التفريق بينهما أو خطين لدراسة الثورة السورية: المستوى التاريخي والمستوى المنهجي. وما قلناه – في المقال – ينتمي للخط الثاني، فنحن لا نناقش تاريخ الثورة، سيما أننا بدأنا بتساؤل من هم أبناء الثورة.. ولم نقدم إجابة توحي بقرار يفضي إلى النتيجة التي تحدث عنها الدكتور فادي.. وكنا نقصد بالتساؤل وضع القارئ في سياق فهم المقولة وكأننا نقول له كل تغير في تحديد من هم أبناء الثورة بالتالي سيتغير الحكم أيضاً.. وقد تشابه كما أعتقد على د. فادي ما طرحناه بقولنا (هل هم ثوار المرحلة أم الجيش الحر أم السلفيون..)

هنا أعتقد أنه توجد نقطة بحاجة لتوضيح. إذ اعتبرنا بأننا قسمنا الثوار إلى تصنيفات.. بينما وحسب مسار مقالنا المنهجي البعيد عن التأريخ قصدنا أن ذلك مسار زمني طبيعي حسب الظرف لكل إنسان.. إذ وكما قال قد تكون متظاهراً مسالماً ثم تتحول إلى ثائر لتحقيق أهدافك وقد تلجأ إلى تنظيم سلفي جهادي لذات الغاية. العزيز فادي.. هدف المقال مساءلة السؤال وتفكيكه، وتبيان مدى التباسه.. وكون مقولة الثورات تأكل أبناءها ليست قاعدة صحيحة يبنى عليها. بل هي استسهال تعميمي شائع.

تعقيب ثانٍ لفادي غزال:

الواقع السوري متداخل جداً، لذا فالحذر ضروري حيال التصنيفات الجامدة. وحول مقولة (الثورة تأكل أبناءها)، طبعاً أنا لا أناقشها كقانون فيزيائي حتمي؛ خاصة وأن هذه المقولة اكتسبت مع الزمن مكانةً أكبر مما توقع صاحبها نفسه وقتما كتبها. المقال الذي يدعو للتساؤل أهم عندي من باقي المقالات، لأنه يترك للقارئ متعة نسج الأفكار الواردة من محيطه من أجل تكوين رؤيته الخاصة للأحداث، بدلاً من تناول الطروحات الموجهة في بعض المقالات الصحفية هنا وهناك كوجبات مسبقة الصنع.

الحقيقة هي أن لديَّ أمل حقيقي في أن النموذج السوري قد يفاجئ التاريخ. ثقتي بالشعب السوري لا تنبع من اعتقادي بأنه لا يخطئ، وإنما من إيماني بأنه قادرٌ على مراجعة أفكاره والتعلم من تجاربه لبناء مستقبل أفضل. أتمنى أن تكون هناك يوماً بعد يوم مساحةٌ أكبر للنقاش الحر والمسؤول. وما دار بيننا حول هذه المقولة هو نموذجٌ للحوار الذي نحتاجه أكثر من حاجتنا إلى الانتصار للرأي. وأختم دائماً بالجملة التي أصبحت تعبّر عن قناعتي المطلقة في كل المراحل: يا الله… ما لنا غيرك يا الله.”

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني