
الاقتصاد السوري.. بين التحديات والإنجازات والمقارنات الإقليمية
لم يعد الاقتصاد السوري مجرد مؤشرات رقمية يمكن تتبعها بمعزل عن السياق، بل أصبح انعكاساً مباشراً لتحولات عنيفة أعادت تشكيل بنيته بالكامل. فبعد أكثر من عقد من التفكك الاقتصادي العميق، الانتقال الذي شهدته البلاد من اقتصاد مركزي متحكم به إلى اقتصاد حرب، ثم إلى واقع ما بعد الصراع، يطرح أسئلة مركبة حول طبيعة المرونة المتبقية، وعوامل التعافي المحتملة، وموقع سورية الحقيقي في الخريطة الاقتصادية الإقليمية.
الحديث عن إنجازات في الاقتصاد السوري اليوم لا يعني العودة إلى مستويات ما قبل 2011، بل يشير إلى قدرة محدودة على توليد النشاط الاقتصادي رغم الندرة الحادة في الموارد. بعض القطاعات أظهرت صلابة أكبر من غيرها.
في القطاع الزراعي، رغم تراجع مساحاتها المروية وتضرر سلاسل القيمة، حافظت على حد أدنى من الإنتاج الغذائي للسوق المحلي، معوّضة جزئياً انقطاع سلاسل الاستيراد.
في القطاع الصناعي، برزت أنماط من التكيّف القسري: منشآت صغيرة ومتوسطة انتقلت إلى المناطق الأكثر استقراراً، وتحول بعضها إلى تلبية طلب محلي ضيق، في ظل اقتصاد يعاني من تفكيك سلاسل الإمداد. لكن تبقى هذه النشاطات دون مستوى الكتلة الحرجة القادرة على إطلاق دورة إنتاجية ذاتية الاستدامة، لأنها تفتقر إلى الطاقة والمواد الأولية والتمويل.
الواقع الاقتصادي السوري اليوم لا يُختزل بتراجع سعر الصرف وحده، وإن كان سعر الليرة هو أبرز تجلياته. ما يحدث أعمق من ذلك: إنه تفكك الوظائف الأساسية للنقود. الليرة لم تعد مخزناً موثوقاً للقيمة، ما دفع إلى دولرة فعليّة للمعاملات اليومية، وانتشار المقايضة، وازدواجية الأسعار بين التعاملات الرسمية والسوق الموازية.
التضخم الجامح لا يُعبّر فقط عن ارتفاع الأسعار، بل عن انزياح الاقتصاد إلى نظام تسعير غير رسمي، تتحدد فيه الأسعار بناءً على توقعات سعر الصرف لا على تكاليف الإنتاج. هذا يولّد انعدام يقين مزمن يعطل أي تخطيط استثماري، ويحوّل النشاط الاقتصادي نحو قطاعات ريعية قصيرة الأجل: المضاربة بالعملات، العقارات، وتجارة السلع المدعومة.
في سوق العمل، البطالة ليست مجرد نقص في الوظائف، بل تحوّلت إلى ظاهرة هجرة الكفاءات التي تفرغ الاقتصاد من طبقته المنتجة. غياب فرص العمل اللائق يدفع شرائح واسعة إما إلى القطاع غير النظامي، أو إلى الاعتماد على التحويلات الخارجية التي باتت تمثل رافعة استهلاكية لا إنتاجية، وتزيد من حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية.
اليوم، يقف الاقتصاد السوري على حافة مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي أن العودة إلى النموذج القديم مستحيلة، لكن ملامح النموذج البديل لم تتبلور بعد.
من جهة، تعاني الموازنة العامة من عجز متزايد، مع انكماش القاعدة الضريبية وتوسع الاقتصاد غير الرسمي. ومن جهة أخرى، تظل الاستثمارات العامة عاجزة عن تلبية احتياجات إعادة الإعمار التي تقدّرها الأمم المتحدة بأكثر من 250 مليار دولار.
اللافت أن مرحلة ما بعد الصراع لم تُنتج استقراراً نقدياً أو مالياً. فالدولة لا تزال عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية كالكهرباء والوقود بانتظام، ما يبقي تكاليف الإنتاج مرتفعة جداً ويُبعد أي استثمار صناعي جاد. وبدلاً من سياسة إعادة توزيع منظمة، ظهرت معضلة (اقتصاد الكفاف المعمم)، حيث تعتمد غالبية الأسر على تعدد مصادر الدخل غير الثابتة.
الاستثمار الأجنبي الذي تراهن عليه خطط إعادة الإعمار لا يزال محاصراً بين عقوبات قانون قيصر وما شابهه، وبين غياب بيئة قانونية تحمي حقوق الملكية وتضمن آليات شفافة لفض النزاعات التجارية. أما الاستثمار المحلي، فمعظمه متركز في أنشطة المضاربة العقارية أو مشاريع الخدمات الصغيرة.
سورية في السياق الإقليمي
الاقتصاد السوري اليوم لا يختلف فقط في الحجم عن اقتصادات الجوار، بل في بنية النمو نفسها. دول الخليج لا تزال قادرة على تمويل تحولاتها التنموية من الريع النفطي، بينما تفتقر سورية لأي قاعدة تصديرية تناظرها. حتى دول الجوار التي عانت من صراعات، مثل العراق، استطاعت توظيف جزء من عوائدها النفطية لتمويل إعادة إعمار تدريجية.
لكن المقارنة الأكثر دلالة هي مع لبنان والأردن، حيث لكل منها أزماته الهيكلية الخاصة. الفرق الجوهري أن لبنان، رغم انهياره المالي، ما زال يمتلك قطاعاً مصرفياً سابقاً كان قادراً على جذب التدفقات، بينما الأردن يحافظ على حد أدنى من الاستقرار النقدي بفضل التدفقات الخارجية والدعم الدولي المستمر.
أما سورية فتواجه عزلة متعددة الأبعاد: سياسية، مالية، وتكنولوجية، تجعل من التعافي مجرد خروج من القاع وليس لحاقاً بمسار النمو الإقليمي.
يتضح هنا أن المعضلة الاقتصادية السورية ليست فنية فقط، بل تتعلق بنموذج التنمية ذاته. لا يمكن اختزال الحل في جذب رؤوس الأموال أو إعادة بناء البنية التحتية فقط، دون معالجة المشكلات الهيكلية: غياب الثقة بالعملة، تآكل الطبقة الوسطى، انزياح النشاط نحو الريع غير المنتج، وضمور العقد الاجتماعي الاقتصادي.
الأولوية ليست فقط إعادة الإعمار، بل بناء اقتصاد مختلف، يقوم على قاعدة إنتاجية متنوعة، ومؤسسات نقدية ومالية مستقرة، وسيادة قانون تحمي المنافسة والملكية. أما دون ذلك، فسيبقى النشاط الاقتصادي مجرد رد فعل على الأزمات، لا أساساً لتنمية مستدامة.