شرق الفرات.. بين الاندماج والانفجار

0 12

كل يوم يمر دون تنفيذ كامل لاتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية يطرح تساؤلات متزايدة حول أسباب هذا التعثر، رغم إدراك جميع الأطراف أن سوريا لا يمكن أن تدخل مرحلة استقرار حقيقية في ظل تعدد الجيوش وتعدد مراكز القرار الأمني. وبعد أكثر من عام ونصف على انطلاق المرحلة الانتقالية، بات واضحاً أن ملف شرق الفرات لم يعد مجرد قضية عسكرية، بل أصبح اختباراً لقدرة الدولة السورية على استكمال توحيد مؤسساتها، واختباراً أيضاً لقدرة جميع المكونات السورية على تغليب منطق الدولة على حساب حسابات الحرب.

وقد شهد هذا المسار أكثر من محطة سياسية. فشكّل اتفاق آذار/مارس 2025 بين الحكومة السورية وقسد الإطار الأول لبدء إعادة دمج المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية بصورة تدريجية، ثم جاءت تفاهمات صيف 2025 برعاية المبعوث الأمريكي توم باراك لتعزز وقف التصعيد وتفتح قنوات للتنسيق الأمني، وصولاً إلى اتفاق الاندماج الشامل ووقف إطلاق النار المكوّن من 14 بنداً في كانون الثاني/يناير 2026، الذي مثّل حتى الآن أكثر الصيغ وضوحاً لإنهاء حالة الانقسام العسكري. وتعكس هذه المحطات مجتمعة توجهاً أمريكياً وغربياً يركز على منع انهيار الاستقرار الهش في شمال وشرق سوريا، وتجنب أي مواجهة واسعة قد تعيد المنطقة إلى دوامة الفوضى.

ورغم ذلك، لا يزال التنفيذ يسير ببطء. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة داخل قسد نفسها، حيث تتباين المواقف بين تيارات ترى أن الاندماج الكامل قد يؤدي إلى خسارة النفوذ السياسي والعسكري الذي تراكم خلال سنوات الحرب، وأخرى تخشى على خصوصية المناطق ذات الغالبية الكردية ومستقبل الإدارات المحلية، بينما يراهن فريق ثالث على تغيرات إقليمية أو دولية قد تمنحه أوراقاً تفاوضية أفضل. وفي المقابل، تتمسك الحكومة الانتقالية بمبدأ تعتبره غير قابل للتفاوض، وهو أن بناء دولة مستقرة لا يمكن أن يتحقق بوجود أكثر من جيش، أو أكثر من قرار أمني، أو بقاء السلاح خارج سلطة الدولة.

ولا تتوقف الإشكالية عند ملف السلاح، بل تمتد إلى استمرار وجود تشكيلات أمنية وتنظيمات شبابية وعسكرية تعمل خارج المؤسسات الرسمية، وهو ما يثير قلقاً متزايداً لدى كثير من السوريين الذين يخشون أن يؤدي أي استثناء إلى فتح الباب أمام استثناءات أخرى، بما يكرس تعدد السلطات داخل الدولة الواحدة ويؤخر استعادة مؤسساتها الكاملة.

وفي الوقت نفسه، تتصاعد حالة الاحتقان داخل عدد من العشائر العربية في شرق الفرات، حيث ترتفع الأصوات المطالبة بالتصعيد تحت عنوان “خيمة الحرب”، مدفوعة بالشعور بأن الاتفاقات تتحرك ببطء وأن الوعود لم تتحول بعد إلى خطوات ملموسة. كما ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تأجيج الخطاب المتشنج بين مختلف الأطراف، الأمر الذي يزيد من صعوبة بناء الثقة ويمنح دعاة التصعيد مساحة أوسع للتأثير.

لكن، هل أصبحت المواجهة العسكرية أمراً لا مفر منه؟

حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي. فاحتمال وقوع اشتباكات محدودة أو حوادث أمنية يبقى وارداً إذا استمر الجمود، إلا أن اندلاع حرب واسعة لا يخدم أياً من الأطراف. فالحكومة تحتاج إلى الاستقرار لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحريك عجلة الاقتصاد، وقسد تدرك أن أي مواجهة طويلة ستستنزفها سياسياً وعسكرياً، والعشائر ستكون من أكبر الخاسرين على مستوى الأمن والمعيشة، بينما سيكون تنظيم داعش المستفيد الأول من أي فراغ أمني قد ينشأ نتيجة هذا الصراع. لذلك، ما تزال أغلب التقديرات ترجح استمرار المسار التفاوضي، وإن بقي احتمال التصعيد المحدود قائماً كلما تعثرت قنوات الحوار.

لقد دفعت الجزيرة السورية ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، وليس من مصلحة أي من مكوناتها، عرباً وكرداً وسرياناً، الانجرار إلى جولة جديدة من الصراع. فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الصراع بين أبناء المنطقة، بل في مواجهة الفقر والبطالة، وتحسين الخدمات، وجذب الاستثمارات، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار التي ينتظرها ملايين السوريين.

إن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب قدراً كبيراً من التنازلات المتبادلة. فالدولة مطالبة بتقديم ضمانات قانونية وإدارية تكفل حقوق جميع مكونات المنطقة ضمن إطار الدولة الواحدة، وقسد مطالبة بالإسراع في تنفيذ التزاماتها المتعلقة بالاندماج الكامل وتسليم السلاح الثقيل وإنهاء جميع التشكيلات العسكرية والتنظيمية الموازية، بما يؤكد أن خيارها النهائي هو الدولة السورية الموحدة. كما تقع على عاتق العشائر مسؤولية منح المسار السياسي فرصة حقيقية، وعدم الانجرار خلف دعوات المواجهة التي لن تحقق مكاسب دائمة لأحد.

لقد أنهكت الحرب السوريين الكل. وما يحتاجه شرق الفرات اليوم ليس خيمة حرب جديدة، بل خيمة حوار تجمع الجميع حول مستقبل واحد. فالاستقرار لا يُبنى بالغلبة، بل بالشراكة، ولا يصنعه الرصاص، بل تصنعه دولة واحدة، وجيش واحد، وقانون واحد، وعدالة يشعر في ظلها جميع السوريين أنهم شركاء متساوون في وطن واحد.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني