
أسباب الطلب الأمريكي ومبررات الرفض السوري في قضية سلاح حزب الله
بعد 47 عاماً من وصول نظام ولاية الفقيه إلى الحكم في إيران، كانت الحرب مع الولايات المتحدة هي الخيار الحتمي لنصف قرن من صراع لم تتمكن الولايات المتحدة من حسمه، وكان خيار الحرب المباشرة هو المعوّل عليه لاستعادة إيران إلى المحور الأمريكي، لذلك كان الطرح الأمريكي، كهدف معلن، وهو إسقاط النظام، هدفاً حقيقياً. وبنتيجة حرب الـ39 يوماً، من 28 فبراير إلى 8 نيسان، لم يتحقق ذلك، وظهر هذا جلياً بعد الأسبوع الأول من الحرب، إذ تبيّن أنّ كل التقديرات لم تكن دقيقة، والتي كانت تؤكد أنّ النظام سيسقط بقطع رأسه، وتبيّن أن النظام الإيراني أكثر قوة مما كان يُعتَقد..
وبات واقعاً أنّ الاستثمار الإيراني في الأذرع لم يكن عبثياً، فقد أظهرت تلك الأدوات انضباطاً والتزاماً بتعليمات قيادة الحرس الثوري في طهران، حيث كانت هي من يدير المشهد برمّته، وتم توزيع الأدوار بينها بحيث تخدم صانع القرار في طهران.
لم تُستخدم ورقة الحوثي عملياً، وتم اعتمادها كاحتياطي استراتيجي يتم التلويح بها دون استعمالها.
في حين أدّى الحشد الشيعي العراقي المطلوب منه على أكمل وجه، ونفّذ كل الأدوار المطلوبة منه، بحيث كانت جبهته هي المواقع والمصالح في العراق، وقصف دول الخليج العربية عندما تتطلب إيران ذلك منه، وهو الذي يسيطر على معظم العراق، ويعتبر ذلك عمقاً استراتيجياً لإيران.
أما الأقوى، أو الأهم، من الأذرع فكان حزب الله، حيث خالف كل المعلومات والتقديرات الإسرائيلية، بأن ما عُرف بحرب الإسناد التي دخلها الحزب بعد طوفان غزة، والتي أدت إلى قتل معظم قياداته من الصفوف الثلاثة الأولى مع أمينه العام التاريخي، وتقارير تدمير بنيته العسكرية وإيقاع الأذى بحاضنته الشعبية، ثم توقيع اتفاق إذعان في 26 ديسمبر 2024، وعدم ردّه على كل الخروقات الإسرائيلية طيلة 15 شهراً، كل ذلك عزّز الانطباع بأن الحزب انتهى عسكرياً، ولم يَعُد رقماً صعباً في الدفاع عن إيران، وبالتالي ذاك الضعف المتصوّر هو ما دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى شنّ حرب على إيران.
لكن الحزب دخل الحرب الأخيرة رداً على مقتل خامنئي في الثاني من مارس، وقدم أداءً عسكرياً وتماسكاً بنيوياً، ودفع بأسلحة جديدة للمعركة، وقدّم مستوى أفضل من كل حروبه السابقة، وتبيّن زيف التقارير الإسرائيلية وفشلها الذريع في تقدير قوته.
وبما أن القوة العسكرية الأمريكية فشلت في إسقاط النظام الإيراني أو تطويعه، وبما أن الحرب الغربية على النظام الإيراني وأذرعه، وبمعنى أدق على الشيعية السياسية، سواء كانت دولة أو ما دون الدولة، هي حرب أبدية وصفرية، لأن هذه الحرب هي إحدى جولات الحرب العالمية الثالثة، حيث تقف إيران كرأس حربة مدعومة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وكل القوى المناهضة للهيمنة الغربية بشكلها الحالي، فإنه لا بد من استعمال بدائل أخرى من جانب الأمريكيين لاستمرار حربهم، ومنها وسائل ذكية كقوى ناعمة ممزوجة مع الخشونة، ووضع استراتيجيات جديدة غير تقليدية لهزيمة إيران، منها محاربة الأذرع الإيرانية. وقد بدأ الأمريكيون بمحاربة الحشد الشعبي العراقي بأدوات مالية لتجفيف الدولار وقطعه عنه، فيما لا تزال قضية حزب الله المعضلة الأكبر التي تواجه الولايات المتحدة، حيث استمرت الحرب الإسرائيلية عليه لثلاث سنوات ونصف، ولم تؤدِّ إلا إلى ازدياد قوته، وفشلت تلك الحرب فشلاً ذريعاً، واعترف الرئيس ترامب بفشل إسرائيل فشلاً ذريعاً في هزيمة حزب الله. وبالطبع يرى أنه لم يتمكن أحد من هزيمة إيران ومحورها وميليشياتها إلا المقاتلون السوريون، وقد حصل ذلك عدة مرات أثناء مسيرة الثورة السورية، وتمكن ثوار سوريا، بالنهاية، بإمكانات متواضعة، من إسقاط نظام محوري في مشروع ولاية الفقيه.
ويدرك الجميع أنّ للسوريين ثأراً عند حزب الله، فقد أوغل في دمائهم دعماً للنظام الساقط.
وفي الحقيقة التي لا يستطيع أحد نكرانها، أن الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب ساعدت العهد السوري الجديد بـ:
1- رفع العقوبات كاملةً عن سوريا، بما فيها إلغاء قانون قيصر، بشكل لم تعهده حالات مماثلة، حيث تم تجاوز عقبات البيروقراطية الأمريكية، وتجاوز ضغوط اللوبي الصهيوني.
2- التخلي عن تنظيم قسد، وهو كان أكبر عائق عملي في توحيد سوريا.
3- فتح الطرق للتعويم السياسي والدبلوماسي للقيادة السورية الجديدة، ورفع التصنيفات الموضوعة على بعض من أهم مفاصلها.
4- لجم عدوانية نتنياهو إلى الحدود الدنيا، ومنعه من استغلال الحالة التي تمر بها سوريا الجديدة.
ويرى الرئيس ترامب أن الخطوات الأمريكية ساهمت في تثبيت الحكم السوري الجديد، بحيث أصبح أن الاستمرار في دمشق ليس أسهل من الوصول إليها وفتحها.
لذلك، هو، بمقترحه المعلن والمتكرر، يتمنى قيام الجيش السوري بدور لا يستطيع غيره القيام به في تفكيك الحزب.
لا يُقصّر الجيش السوري والقوى الأمنية في إحكام ضبط الحدود، ومنع كل أسباب الدعم البري عن الحزب لإعادة بناء قدراته، وهو دور فعال في الحرب على الحزب، ولا يمكن القيام بأكثر من ذلك. وفي حديثه لقناة المشهد، برر الرئيس السوري ما يقصده الرئيس ترامب بتكراره لدور سوري فاعل في القضاء على الحزب.
لكن السياسة السورية تجاه لبنان ظهرت، منذ بواكير العهد الجديد، بضرورة التعاطي مع لبنان كدولة ومؤسسات، وليس كقوى مجتمعية وسياسية وأهلية. وقال الرئيس، في حديثه لقناة المشهد، إن دوراً سورياً فاعلاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً يُسهم في حل معضلة سلاح الحزب هو العنوان الذي يرسم سياسة سوريا مستقبلاً في تعاطيها مع الأشقاء في لبنان.
ويدرك السيد الرئيس وقادة المنطقة أن أي دور عسكري سوري في الحرب على الحزب سيكون النواة أو الشرارة لاندلاع صراع سني شيعي، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم كله، حيث من الممكن أن نرى تداعياته في العراق وباكستان مثلاً…
كما أن الاهتمام الرسمي والشعبي السوري يتجلى في جعل ترميم تداعيات الحرب في سوريا، الاقتصادية والاجتماعية، والتعافي من آثارها السيئة أولوية، وسيستغرق ذلك وقتاً طويلاً، ولا نية للسوريين في خوض صراعات خارج الحدود.
حتى إن وزير الخارجية السوري ذهب، في زيارته الأخيرة، للقاء الرئيس بري (وهي رسالة مهمة)، وأجاب عن سؤال بأنه من الممكن أن نجلس مع حزب الله على طاولة واحدة إذا اقتضت المصالح ذلك.