إشكالية الاستقرار السوري في ظل الشروط الأمنية الإسرائيلية

0 10

تحولات سوريا العميقة وانعكاساتها على التوازنات والمعادلات الإقليمية الجديدة: دراسة في السيناريوهات المستقبلية (13)

التمهيد: المشهد السوري بعد 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 وصعود أحمد الشرع

منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024 دخلت سوريا مرحلة جديدة تماماً من تاريخها السياسي والاجتماعي، عقب سقوط النظام السابق وبروز قيادة انتقالية بزعامة الرئيس أحمد الشرع، الذي تولّى السلطة رسمياً في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه. هذه المرحلة لا تشبه أيّاً من المراحل السابقة منذ عام 2011، فقد جاء نموذج الانتقال هذه المرة فريداً ومختلفاً عن التجارب المحيطة؛ إذ لم يكن نتيجة تفاوض دولي مباشر أو انقلاب عسكري، بل نتيجة تحوّل داخلي مدعوم بقبول شعبي وإسناد أممي محسوب. وقد أظهرت تقارير الأمم المتحدة في مطلع عام 2025 أن “سوريا تقف أمام فرصة انتقال سياسي مشروطة، ما تزال مرتبطة بإجراء إصلاحات عميقة وبناء مؤسسات شرعية لتحقيق الاستقرار”. ومع هذا التحوّل، برزت أمام السوريين فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم الدولة بعيداً عن الاستبداد والتبعية، وباتت البلاد أمام سؤال مركزي: هل يمكن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية والانقسام والحروب؟

4. الشرعية السياسية والمرحلة الانتقالية

تتطلب المرحلة المقبلة إدارة دقيقة لمسألة الشرعية السياسية، خصوصاً عند التفكير في توقيع اتفاقيات كبرى. وتبرز هنا حاجة الحكومة إلى:

تواصل شفاف مع المجتمع لضمان قبول الاتفاقيات.

توسيع قاعدة المشاركة السياسية لتقليل المقاومة الداخلية.

استخدام الفترة الانتقالية لتعزيز قدرة الدولة على التنفيذ دون اضطراب داخلي.

5. التوازن الإقليمي الجديد

تحولات التوازن الإقليمي بعد 2024 تمنح سوريا فرصة نادرة:

خروج إيران من الساحة، ما يقلل الضغوط المباشرة على دمشق.

تحوّل موقف روسيا إلى الأكثر براغماتية، ما يسمح بدبلوماسية أكثر حرية.

وجود تركيا كلاعب إقليمي فاعل، ما يفرض على سوريا التعامل بمرونة وإبداع لتحقيق مصالحها.

6. البدائل الممكنة للسلام الشامل

في ظل هذه القيود والفرص، تبدو البدائل الواقعية كالتالي:

اتفاقيات أمنية محدودة مع إسرائيل لتخفيف التوترات الحدودية والفوضى المسلحة.

اتفاقيات مرحلية مؤقتة تسمح بالتحرك السياسي دون الالتزام بالبعد الاقتصادي الشامل.

التركيز على ملفات إنسانية وإغاثية لتحقيق مكاسب ملموسة للشعب السوري وبناء الثقة تدريجياً.

7. السيناريوهات المستقبلية

تحليل السيناريوهات المحتملة يشير إلى ثلاث مسارات رئيسية:

التسريع نحو السلام الشامل: طموح ولكنه محفوف بالمخاطر الداخلية والإقليمية.

الانتقال الطويل أو التدريجي: الأكثر احتمالاً على المدى القصير، يوازن بين الاستقرار الداخلي والضغوط الإقليمية.

الاتفاق المرحلي المحدود: حل تكتيكي سريع يحقق استقراراً نسبياً دون المخاطرة بمكاسب كبيرة، ويعد فترة اختبار وتجربة لبناء الثقة بين الطرفين.

8. القراءة المستقبلية لسوريا

تقف سوريا اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة داخلياً وإقليمياً، غير أن الطريق نحو ذلك لن يكون سهلاً.

التركيز على الخطوات الأمنية والسياسية المرحلية يوفر أفضل فرصة لتحقيق استقرار فعلي على المدى القصير.

بناء الثقة مع إسرائيل والشركاء الإقليميين يحتاج إلى مزيج من الدبلوماسية الحذرة والسياسات الداخلية المدروسة.

المدى المتوسط والطويل يعتمد على نجاح الحكومة في إدارة الشرعية، وكسب الرأي العام، وتعزيز التنمية الاقتصادية تدريجياً.

خلاصة القول إن سوريا ما بعد 2024 لا تتحرك في اتجاه سلام أو مواجهة بقدر ما تتحرك في منطقة رمادية بينهما، حيث تُدار العلاقة مع إسرائيل كجزء من معادلة أوسع لإعادة بناء الدولة وترميم الشرعية وضبط التوازنات الإقليمية. نجاح هذا المسار سيعتمد، في نهاية المطاف، على قدرة القيادة السورية على الجمع بين البراغماتية السياسية والحساسية الوطنية، وبين متطلبات الأمن ومسارات التنمية، وعلى تحويل المرحلة الانتقالية من حالة انتظار هشّة إلى مسار تراكمي يُفضي، تدريجياً، إلى استقرار أكثر رسوخاً.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني