من العداء إلى الشراكة.. ولادة مرحلة جديدة في العلاقات السورية – الأمريكية

0 7

لم تكن سوريا منذ استقلالها، والذي تزامن مع بداية انقسام العالم إلى معسكرين غربي وشرقي، جزءاً مما يُعرَف بالعالم الغربي، وقد يكون مردّ ذلك إلى كره السوريين لفرنسا، دولة الانتداب الزائل، ولدعم بريطانيا المطلق لإنشاء كيان لليهود على أرض فلسطين.

كانت جاذبية الشعارات الاشتراكية، بحقوق العمال والمساواة والعدالة الاجتماعية والتحرر من الاستعمار، تستهوي النخب المتعلمة والجمهور على حد سواء، وأولى الاستدارات الحقيقية نحو الاتحاد السوفييتي ومعسكره أنجزها رئيس الوزراء السوري خالد العظم (والذي لُقِّب بالبرجوازي الأحمر)، وقد يكون استلهم ذلك من التحول الكبير الذي أجراه الرئيس جمال عبد الناصر عند عقد صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا، وقد ساهمت الأحداث الكبرى في مصر، مثل تأميم قناة السويس وعدم تمويل السد العالي والعدوان الثلاثي، في تأجيج المشاعر الشعبية، وبالتالي انحراف السياسات نحو المعسكر الاشتراكي، حيث كانت التجربة السوفياتية في بدايتها ولم تتكشف عيوبها بعد.

ثم أتت الوحدة مع مصر، وبعدها انقلاب البعث، حيث أصبحت سوريا جزءاً من الفضاء الموالي للشرق وعلى عداء مع المعسكر الغربي، ودخل الاتحاد السوفييتي في بنية الدولة السورية، حيث كان تسليح وتدريب الجيش سوفييتياً، والمشاريع الكبرى والمنهج الاقتصادي اشتراكياً، بغض النظر عن ديكتاتورية الأسد وتشويه كل ما تم استنساخه من التجربة الاشتراكية.

مارس نظام الأسد دوره كنظام وظيفي مارق يبيع الإرهاب وعدم الاستقرار ليعيش، بمعنى أنه يتجنب إسقاطه، ويقدم نفسه كبلطجي يمكن الاستفادة منه، وكان مسكوتاً عنه أمريكياً، كونه كان يتساكن مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ويضمن أمنها، ويحارب بضراوة منظمة التحرير الفلسطينية وأي عمل حقيقي يستهدف الاحتلال، وعمل على شق الصف الفلسطيني ووسمه بالإرهاب، مثل دعم منظمة أبو نضال وغيره.

لكن أفعال نظام الأسد الإرهابية استدعت من الولايات المتحدة فرض عقوبات عليه منذ عام 1979، باعتباره نظاماً عدواً ومارقاً، ولكن يمكن توظيفه لخدمة الأهداف الأمريكية، وحصل ذلك بتدخل نظام الأسد في لبنان عام 1976، مع أن الاتحاد السوفييتي عارض ذلك لأن حلفاءه كانوا على وشك حسم الحرب لصالحهم، وشقّ الأسد الأب الصف العربي بدعم إيران في الحرب مع العراق، ثم التماهي مع الأهداف في حرب تحرير الكويت عام 1991، وبعدها الدخول في حصار العراق وفق الأجندات الأمريكية…

لم تكن العلاقات السورية الأمريكية جيدة في سنوات حكم الوريث بشار، وساهم مع قاسم سليماني في فتح الحدود مع العراق لدخول من يريد محاربة الغزو الأمريكي والمقاومة الوطنية العراقية، وبالتالي سيطرة منظمات تُصنَّف إرهابية دولياً على مشهد المقاومة العراقية، وبروز إيران وميليشياتها كأهون الشرين، والتنسيق معها في العراق، بل والإقليم كله.

وكانت المعطيات وخطط المحافظين الجدد الحاكمين في واشنطن لا تُخفي أنه، فيما لو نجح التدخل الأمريكي في العراق وحقق الأهداف المتوخاة منه، فإن سوريا وإيران ستكونان على أجندة التدخل الأمريكي.

خالف بشار أسد كل السياسات الغربية، وقام بقتل الرئيس رفيق الحريري رغم تحذيره من عدم فعل ذلك، وتمت معاقبته أمريكياً بإخراجه من لبنان، ولكنه لعب دور الجسر البري اللوجستي في حرب حزب الله عام 2006 مع إسرائيل.

ومنذ بداية الثورة، كان موقف الولايات المتحدة الرسمي والمعلن، والذي ظهر على الأرض، أنها لا تمانع في إسقاطه وفق شروطها.

شكّل قانون قيصر ومجموعة العقوبات الأمريكية الأخرى حبلاً على رقبة النظام، ومنع حلفاؤه من إعادة تأهيله، كما أن دعم الولايات المتحدة لقسد وسيطرتها على الغلة الاقتصادية لسوريا أضعف نظام الأسد كثيراً، وحرمه من الموارد الأساسية لإعادة ترميم ما فقده في سنيّ الحرب.

لم يُبالِ الأمريكيون بسقوط الأسد، مع بديل كان مصنفاً على قوائمهم المعلنة، وكان الاتصال مبكراً بين الإدارة الديمقراطية المنتهية ولايتها والقيادة الجديدة، عبر إرسال باربارا ليف، مساعدة وزير الخارجية الأمريكي والفاعلة في الإدارة.

وأبدت القيادة السورية الجديدة رغبتها في دفن كل الإرث السوري في التموضع شرقاً، واتجهت نحو الغرب وزعيمته بالذات، وحازت على ثقة حلفاء الغرب في المنطقة ونالت دعمهم (تركيا والسعودية وقطر)، وبادل الغرب الخطوة السورية بخطوات باتجاهها، وبذلك ربح الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً إقليماً جيوسياسياً بالغ الأهمية، هو سوريا، لأول مرة منذ ولادة الدولة السورية، وهو المكسب الغربي الاستراتيجي الأهم، والذي سيُبنى عليه فوائد واستراتيجيات كبرى.

لم يُقصّر الغرب في سحب دعمه لأكبر تهديد للدولة السورية الوليدة، وهي منظمة قسد، وبالتالي حلّها، حيث لم تعد الأسباب التي أدت إلى إنشائها ودعمها موجودة.

ولتأهيل سوريا لتكون حليفاً موضوعياً ودائماً للغرب، وخروجها نهائياً من المحور الشرقي، تم رفع كامل العقوبات عنها وضمها للتحالف الدولي للحرب على الإرهاب، وتم كبح جماح الأطماع الإسرائيلية لتبقى محصورة في المنطقة العازلة، وإبقاء جيب الهجري لفترة قصيرة قادمة.

وبالطبع، فإن التحول الأمريكي تجاه سوريا ليس مرتبطاً بالحزب الجمهوري أو بشخص الرئيس ترامب، بل هو، برأيي، سياسة الدولة الأمريكية القادمة، خاصة أن سوريا اكتسبت أهمية أكبر خلال الحرب مع إيران، باعتبارها إحدى ممرات الطاقة البديلة عن هرمز وباب المندب، كما أن انحسار التواجد الأمريكي في قواعد برية في دول الخليج والعراق جعل الأردن الآن، وسوريا لاحقاً، مركزين مفضلين للتواجد العسكري الأمريكي على الأرض.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني