متى تصبح الدولة دولة قانون؟

0 15

ليس من الصعب أن نجد دولة لديها دستور، وقوانين، ومحاكم، ووزارات، وأجهزة رقابية. لكن وجود هذه العناصر، بحدِّ ذاته، لا يعني أن الدولة تُدار فعلاً وفق القانون. فقد تمتلك الدولة منظومة تشريعية واسعة ومؤسسات متعددة، ومع ذلك تبقى طريقة ممارسة السلطة بعيدة عن قواعد دولة القانون.

والسؤال هو: من الذي يخضع للقانون؟

في دولة القانون، لا يكون القانون موجَّهاً إلى المواطن وحده، وإنما يبدأ بالسلطة نفسها. فلا تستطيع الحكومة أن تتجاوز القانون ثم تبحث عن سند يبرّر قرارها، ولا يستطيع المسؤول أن يعتبر منصبه سبباً للخروج من القاعدة التي تلزم غيره. القانون هنا ليس أداة تستخدمها الدولة لضبط المجتمع فحسب، وإنما حدّاً تضعه الدولة على نفسها قبل أن تضعه على الآخرين.

القانون يقيّد السلطة

عندما تكون الدولة دولة قانون، تصبح صلاحيات السلطة مستمدة من القانون ومحدّدة به. فالوزير لا يملك ما يريد لأنه وزير، والموظف لا يقرّر ما يشاء لأنه يشغل منصباً عاماً، والحكومة لا تستطيع تجاوز اختصاصها لمجرّد أن القرار صدر عنها.

قد يبدو ذلك أمراً بديهياً، لكنه الاختبار الأول لجدّية دولة القانون. فالنص القانوني لا يكتسب قيمته من صدوره، وإنما من مدى الالتزام به وتطبيقه فعلياً.

إن الدستور في مقدّمة الضمانات التي تمنع تجاوز السلطة، لأنه يحدّد صلاحيات مؤسسات الدولة، وينظّم العلاقة بينها، ويحمي الحقوق الأساسية، ويمنع تركيز السلطة في جهة واحدة. وكلما كانت هذه الحدود واضحة، أصبح من الممكن معرفة متى تمارس السلطة اختصاصها ومتى تتجاوزه.

لكن تحديد الصلاحيات لا يكفي إذا لم توجد جهة قادرة على مساءلة من يتجاوزها. وهنا تظهر أهمية القضاء.

القضاء ضمانة للقانون

ويظلّ القضاء أحد أهم الاختبارات العملية لدولة القانون، لأن المواطن لا يحتاج فقط إلى وجود نص يحمي حقه، بل يحتاج إلى جهة مستقلة يستطيع اللجوء إليها عندما يُنتهك هذا الحق.

ولهذا فإن استقلال القضاء ليس امتيازاً للقضاة، وإنما ضمانة للمجتمع. فالقاضي الذي يستطيع أن يُطبّق القانون على السلطة كما يُطبّقه على المواطن يضع حدّاً عملياً لفكرة أن السلطة فوق القانون.

المؤسسة أقوى من الشخص

ولا تكتمل دولة القانون من دون مؤسسات تستمر في أداء وظائفها وفق قواعد واضحة، حتى عندما يتغيّر الأشخاص الذين يديرونها. فالوزير يتغير، لكن الوزارة تستمر في عملها، والحكومة تتبدّل، لكن القواعد التي تحكم الإدارة العامة لا ينبغي أن تتبدّل بتبدّل الحكومات.

وهذا يتطلّب إدارة عامة تقوم على الاختصاص والكفاءة، لا على الولاء الشخصي، وعلى إجراءات واضحة، لا على القرارات الفردية. كما يتطلب أن تكون صلاحيات الموظف محدّدة، بحيث يعرف ما الذي يستطيع فعله وما الذي لا يستطيع فعله.

ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن تكون الرقابة جزءاً من عمل المؤسسات نفسها. فالمؤسسة التي تملك صلاحيات واسعة من دون رقابة قد تتحوّل مع الوقت إلى سلطة يصعب ضبطها. لذلك تحتاج الدولة إلى رقابة قضائية على قرارات الإدارة، ورقابة برلمانية على أداء الحكومة، ورقابة على إدارة المال العام، إلى جانب دور الإعلام والمجتمع في كشف الخلل عندما تتوافر المعلومات اللازمة لذلك.

لكن الرقابة لا تعمل في بيئة تفتقر إلى الشفافية. ولهذا تصبح الشفافية جزءاً أساسياً من عمل المؤسسات. وكلما كانت طريقة اتخاذ القرار، وإنفاق المال العام، وإبرام العقود، واختيار الموظفين أكثر وضوحاً، أصبح اكتشاف الخطأ والفساد ومساءلة المسؤول عنهما أكثر سهولة.

المساواة أمام القانون

لكن وجود القواعد والرقابة عليها لا يكفي إذا لم تُطبَّق على الجميع بالمعيار نفسه. فالمساواة أمام القانون تكشف بوضوح ما إذا كانت الدولة تُطبِّق قواعدها على الجميع، أم أن القانون يختلف باختلاف الأشخاص ومواقعهم.

يمكن للدولة أن تمتلك مؤسسات حديثة، وقضاءً منظماً، وأجهزة رقابية، لكنها تفقد جزءاً أساسياً من معنى دولة القانون إذا أصبح تطبيق القانون مرتبطاً بمكانة الشخص أو نفوذه أو علاقاته.

حماية الحقوق هي الغاية

وإذا كانت المساواة تضمن تطبيق القانون على الجميع، فإن الغاية الأوسع من دولة القانون تبقى حماية الإنسان وحقوقه. فالدولة التي تلتزم بالقانون في قراراتها وإجراءاتها، وتحمي الحقوق والحريات، وتتيح للمواطن الاعتراض على قراراتها، وتوفر له قضاءً مستقلاً، هي التي تجعل القانون وسيلة لحماية المجتمع، لا مجرد وسيلة لإدارته.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني