
من إدلب إلى أنقرة…دلالات قصف إسرائيل لمطار أبو الضهور
لا يمكن فهم أي حركة لإسرائيل في الإقليم إلا في سياقات وتداعيات حرب الطوفان بعد السابع من أكتوبر والتي ما زالت مستمرة، ولا يعرف أحد كيف ومتى ستنتهي، ولا النتائج أو المآلات التي ستترتب عنها.
تغير كل شيء في إسرائيل، وثبت فشل كل سياساتها بل استراتيجياتها السابقة، حيث باتت هذه الدويلة المحمية والمدللة تشعر بخطر وجودي يأتي من الخارج، مع أن قادة تلك الدولة يدركون حجم التحدي الداخلي على مجتمع غير متجانس، لا يربطه إلا الانتماء لدين واحد، وهو شرط غير كافٍ لإنشاء مجتمع قوي تنبثق منه دولة تمثّله.
لم يؤد الردع النووي والإلكتروني والاستخباري والجبروت العسكري إلى أن تشعر تلك الدولة ومجتمعها بالأمان، وتم تحطيم تلك الأسطورة في السابع من أكتوبر 2023، ويدرك الجميع أن أعداء إسرائيل لم يتوقعوا أنها بتلك الهشاشة والتجوّف والخوار، ولن تُغطي هذه الحقيقة حرب الإبادة على المدنيين في غزة، حيث لم تخلق كل تلك الهمجية نصراً عسكرياً مرحلياً، وبالتالي لم يتحقق أي نصر سياسي من تلك الحرب، والذي لا يزال بعيداً أو معدوماً، والحروب لا تُقاس نتائجها بكمية الخسائر التي تقع في الطرف الآخر، أو بحجم القوة النارية، أو مدى التفوق العسكري على الخصم، بل الفيصل هو تحقيق الأهداف من تلك الحرب، وفي التاريخ القريب توجد صراعات كبرى تم تسميتها بالحرب الباردة، انتصر فيها أحد الخصوم دون إطلاق رصاصة واحدة، وتلك الحالة جسّدها انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو وتحطم جدار برلين دون حرب كبرى.
ويدرك الجميع أن نتنياهو المهزوم في داخله والمأزوم في حياته السياسية لن يستطيع الهروب من حالة أنه يحكم دولة قزم ومصطنعة، ولا تملك أن تكون دولة إقليمية كبرى أو صاحبة مشروع في المنطقة، لأنها غريبة عن هذه الجغرافيا وذلك التاريخ، وتجميع الشتات لا يصنع أمة، بل يصنع دولة وظيفية أشبه ما تكون بقاعدة عسكرية للغير، وتشدقه بالقضاء على المحاور السنية والشيعية وإنشاء مملكة إسرائيل كلام يعوزه المنطق والتفكير السليم.
إسرائيل لا تملك الجغرافيا ولا الديمغرافيا، ولا تستطيع أن تحارب أكثر من أسبوع بإمكاناتها الذاتية، لذلك لا يُعقل أن تكون قوة إقليمية مهيمنة، وكل تاريخها يؤكد ذلك.
لم تكن تركيا عدوة لإسرائيل، ولكن سياسات الكيان في الإقليم جعلت منها كذلك، وليس من المعقول أن تكون استراتيجية دولة للبقاء هي تهشيم كل جوارها، والنظر لأي نوع من أنواع القوة تهديداً لها ينبغي القضاء عليه.
ويتساءل البعض عن أهداف نتنياهو وحكومته من الاغارة على مطار سوري مهجور قريب من الحدود التركية، ويمكن إجمال تلك الأسباب برأيي في:
1- بعد السابع من أكتوبر ونتيجة لسماح إسرائيل (حسب اعتقادها) بنشوء مراكز تهديد لأمنها، والسعي لاحتوائها أو توظيفها، والتعامل لتجنب انفجارها دبلوماسياً أو أمنياً فقط، أو حتى بالحد الأدنى من القوة العسكرية، خرجت تلك النقاط أو المواقع عن السيطرة، وحصلت الحروب التي ما زالت مستمرة منذ السابع من أكتوبر، لذلك لن تسمح إسرائيل باستبدال إيران بتركيا في سوريا، ولن تسمح لتركيا وسوريا معاً بالتعاون لإنشاء جيش قوي سوف يُهدد أمنها مستقبلاً، وبالتالي الاعتراض الإسرائيلي ليس على قواعد تركية توجد داخل سوريا بشكل مباشر فحسب، إنما على أعمق من ذلك، وهو المساعدة التركية في بناء جيش سوري قوي يمتلك بالضرورة قوى ودفاعات جوية ورادارات، وهذه تراها دولة الاحتلال تعيق من حرية حركتها في السماء السورية.
2- بعد السابع من أكتوبر تغيرت جذرياً العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فلم تعد الدبلوماسية هي الخيار للتعامل مع التحديات والأخطار والتهديدات، إنما الخيار العسكري هو القاعدة والاستثناء الخيارات الأخرى، وبالتالي يوجد ألف طريقة للتفاهم مع سوريا وتركيا دبلوماسياً، والأمريكيون عارضون وساطة دائمة لذلك، لكن دولة الاحتلال لم تعد تعتمد أي خيار دبلوماسي في التعامل مع التهديدات المحتملة.
3- التنافس أو تالياً الصراع التركي الإسرائيلي موجود قبل ولادة سوريا الجديدة، بمعنى لم تكن سوريا الجديدة هي سبب الصراع، بل قد تصبح إحدى ساحاته، والصراع قديم بينهما على النفوذ في شرق المتوسط، بحيث تتحالف إسرائيل عسكرياً مع أعداء تركيا التقليديين (اليونان وقبرص)، وتحاول عرقلة أي صفقات عسكرية بين أنقرة وواشنطن عبر نفوذها في الولايات المتحدة، حتى وصل الصراع بينهما إلى جنوب البحر الأحمر في الصومال.
4- نتنياهو أمام انتخابات مصيرية، وهو لم ينجز أي إنجاز في حروبه المفتوحة في الإقليم، وهو كان على رأس السلطة في 7 أكتوبر 2023، ويتحمل جانباً مهماً من الخرق الكبير الذي حصل، وهو لم يربح حربه التي يحلم بها ضد إيران، مع أن الولايات المتحدة شاركته فيها ثم نحّته جانباً لأن الخسائر المتولدة من مشاركته فيها أكبر من الأرباح، ونتنياهو باستيلاد عدو جديد وتوتير الوضع حول إسرائيل، يخيف الناخب الإسرائيلي ويضغط عليه للتصويت لصاحب الخبرة في تصدر المشهد السياسي.