وحدة سوريا المؤجَّلة

0 11

كيف تعثّر الاندماج السياسي بين الدولة الجديدة ومراكز القوة التي خلّفها عهد الأسد والحرب؟

لم يكن سقوط النظام يعني بالضرورة توحيد سوريا. فالعهد الجديد لم يرث دولةً موحّدة تنتظر استعادة مؤسساتها، بل ورث مجتمعاً تمزّقت علاقاته بالدولة، ومخاوف متراكمة، وقوى مسلحة واقتصادات محلية. لذلك لم تعد الوحدة استعادةً للسيادة فقط، بل اختباراً لقدرة الدولة على احتكار القوة بصورة شرعية وإنتاج الأمان.

العقدة: الدولة الجديدة تريد استعادة السلاح أولاً كي تبني دولة واحدة، بينما تريد قوى محلية ضمانات سياسية وأمنية قبل أن تتخلى عن أدوات القوة التي بنتها خلال الحرب. وبين الطرفين تقف ذاكرة لا تثق بالمركز. فالنظام لم يكتفِ بإدارة الانقسامات، بل حوّل الخوف إلى علاقة سياسية، وترك بعد سقوطه سؤالاً خطيراً: من يضمن الأمن إذا تراجعت حماية الجماعة؟

في الساحل، رسّخ النظام لدى قطاعات من العلويين أن أمنهم مرتبط ببقائه، مستنداً إلى التخويف من الأكثرية السنية وتقديم نفسه حامياً للأقليات. لذلك اختلط بعد سقوطه خوف من الانتقام بفقدان المكانة والنفوذ، وتضاعف مع العنف الذي استهدف مدنيين علويين. لكن الخوف لا يبرر المسؤولية الجماعية، ولا يجوز أن تتحوّل المحاسبة إلى ثأر طائفي.

وفي السويداء، اتخذ الخوف شكلاً مختلفاً: حماية وسلاح ورفض لعودة مركز لا يُوثَق به. فقد حافظ المجتمع على مسافة من النظام ورفض قسم منه زج أبنائه في حربه. وبعد سقوط النظام أصبح التخلي عن السلاح مرتبطاً بسؤال: هل تستطيع الدولة أن تحميهم من دون أن تعيد إخضاعهم؟ لذلك بقي الاندماج متعثّراً.

أما الجزيرة، فتكشف المعضلة بأوضح صورها. فقد أتاح انسحاب النظام من معظم المناطق الكردية عام 2012، في تفاهمات مع القوى الكردية، نشوء إدارة وقوة عسكرية كردية؛ ثم حوّل الدعم الدولي في الحرب على تنظيم الدولة «قسد» إلى مركز قوة يملك الأرض والسلاح والمؤسسات. لذلك أصبح التفاوض على عودة الدولة تفاوضاً على القيادة والأمن والإدارة والموارد.

وهنا يصبح الاقتصاد جزءاً من بنية القوة لا هامشاً لها. فالحرب لم تنتج فقط سلاحاً، بل مصادر تمويل له عبر المعابر والجبايات والتهريب والكبتاغون. ومن يملك مورداً مستقلاً يستطيع تمويل الحماية ورفع كلفة التنازل. لذلك أصبحت السيطرة على النفط والغاز والمعابر جزءاً من استعادة السيادة، كما ظهر في اتفاقات دمج «قسد».

ولا يمكن اختزال المسألة في «الأقليات». فالأكثرية السنية تطالب بدولة تستعيد حقوقها، من دون أن يتحول حجمها إلى تفويض بإقصاء الآخرين. والعرب والعشائر في الشرق جزء من المعادلة: من يمثلهم ومن يدير الموارد. فالمشكلة بناء دولة لا يحتاج فيها أحد إلى حماية نفسه منها.

ثم جاءت المظلات الخارجية لتضاعف قدرة مراكز القوة. تركيا تنظر إلى البنية العسكرية الكردية من زاوية صراعها مع حزب العمال الكردستاني، والولايات المتحدة بنت شراكة مع «قسد»، فيما أصبح الجنوب مجالاً لتدخل إسرائيلي مرتبط بأمن الحدود والدروز. وهكذا لم يعد بعض الفاعلين يتفاوضون مع دمشق من داخل ميزان القوى السوري وحده.

لكن تحميل المكونات وحدها مسؤولية التعثّر سيكون قراءة ناقصة. فالسلطة الجديدة نفسها ما زالت تبني جيشاً وأجهزة أمن وقضاءً؛ ودخلت فصائل سابقة مؤسسات الدولة مع بقاء قدر من بنيتها القيادية، ما يجعل احتكار القوة غير مكتمل. وهنا تتضح المفارقة: الدولة تريد من الآخرين تسليم أدوات القوة كي تصبح دولة، بينما يريد الآخرون دليلاً على أنها أصبحت دولة قبل أن يسلموها أدوات القوة.

وتصبح العدالة الانتقالية اختباراً حاسماً لهذه الثقة: إذا غابت المحاسبة، بقي الخوف؛ وإذا غابت الضمانات القضائية، تحولت المحاسبة نفسها إلى مصدر خوف. لذلك لا يكفي أن تحاسب الدولة، بل يجب أن تثبت أن القانون سيحاكم الفرد لا الجماعة، وأن العدالة لن تكون انتقاماً.

لهذا لن تُبنى وحدة سوريا بإجبار المكونات على العودة إلى المركز، ولا بترك كل مكوّن يبني دولته الصغيرة داخله. المطلوب كسر الحلقة: دولة تحتكر القوة، ومؤسسات تمنح ضمانات قابلة للثقة، وعدالة تحاسب بلا ثأر، وموارد تخضع لسيادتها وتوزَّع بعدالة.

فالسؤال السوري لم يعد: هل تبقى سوريا واحدة؟ بل: هل تستطيع الدولة الجديدة أن تصبح أقوى من مراكز القوة، وأعدل من الدولة التي سبقتها، بحيث لا يحتاج أي مكوّن إلى طائفته أو سلاحه أو الخارج كي يشعر بالأمان؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني