ماذا بعد تجاوز إيران للخطوط الحمراء الأمريكية؟
كان قبول الغرب بنظام حكم ديني ومذهبي في إيران هو أهون الشرّين، حيث كان التيار الوطني واليساري هو الأكبر في الشارع الإيراني الثائر ضد الشاه، وكان وصول هذا التيار إلى الحكم كارثياً للغرب، خاصةً أنّ الحرب الباردة في ذروتها، ولا توجد أي توقعات بأنّ النموذج الشيوعي دخل في غرفة العناية المشددة ولن يتبقّى أكثر من عقد لإعلان وفاته، وكانت خسارة الشاه كبيرة، والذي كان يتناغم مع تركيا العلمانية ودول الخليج العربية في التصدي لأي تغلغل لنفوذ سوفييتي في المنطقة، وبالطبع لم يكن معقولاً من نظام ديني إيراني قادم للحكم في طهران أن يصبح جزءاً من المنظومة الشيوعية السوفييتية لتنافر الأيديولوجيات الكامل بينهما.
كانت الولايات المتحدة طيلة العقود الأربعة من حكم ولاية الفقيه تحاول احتواء مشروعه، بل وتوظيفه لخدمتها أحياناً، ولو كان نظام الملالي لا يقصد ذلك، وباكراً تم وضع أفق استراتيجي للتعامل معه من حيث تصنيفه دولة مارقة وضمن محور الشر، وفرض عقوبات اقتصادية عليه، مع أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة كانت ترتكب أخطاء أو تُقدّم هدايا غير مقصودة أو حوافز أحياناً يستغلها نظام الملالي، وقد يكون إعطاء هامش حركة للإدارات الأمريكية للتعامل مقصوداً، لكن نظراً لفارق القوى والإمكانات والقدرات لم ترَ الولايات المتحدة في إيران عدواً استراتيجياً نوعياً، حتى وصل ضعف التقدير الأمريكي في حقبة الحرب على الإرهاب بعد ضربات أيلول 2001 إلى اعتبار داعش والقاعدة خطراً استراتيجياً على المصالح الأمريكية، ونظام ولاية الفقيه حليفاً محتملاً في الحرب عليهما، ووصل الأمر في العراق بعد 2014 إلى تحالف بين الحشد الشيعي الميليشياوي والجيش الأمريكي في الحرب على تنظيم الدولة.
ومن أهم ثوابت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة أمران مهمان لم يتغيرا بعد تبوّأ الولايات المتحدة لزعامة المجموعة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، أو تفردها بالقطبية الأحادية بعد فوزها في مباراة الحرب الباردة وانهيار القطب والنموذج السوفييتي، وهذان الخطان الأحمران لا تسمح الولايات المتحدة بالاقتراب منهما، فما بالك بتجاوزها بل والشروع في تدميرهما، وكل من يفعل ذلك سيلقى جزاءً قاسياً، والهمجية الأمريكية معروفة منذ إلقاء القنابل النووية على اليابان.
وهذان الخطان الأحمران هما:
1- أمن إسرائيل:
أمن إسرائيل وعدم تهديد وجودها هو حجر زاوية في مجمل الاستراتيجيات الغربية بعد نهاية الحكم العثماني في المنطقة، وتم زرعها في تلك البقعة الجغرافية لأسباب بات القاصي والداني يعرفها، والأكثر من ذلك أن الجناح الشرقي للعالم المتمثّل في منافسين محتملين للنظام الدولي الغربي، وأقصد هنا الصين وروسيا، يتفقان أيضاً على ضمان أمن إسرائيل وعدم تهديد وجودها، مع أنها طليعة متقدمة للمشروع الغربي الإمبريالي، والشواهد التاريخية كثيرة ابتداءً من اعتراف ستالين بالدولة الوليدة في الأمم المتحدة عام 1948، بل سبق الولايات المتحدة في ذلك.
كان مسموحاً بالشعارات التي يُطلقها الحرس الثوري الإيراني وأذرعه بإبادة الدولة اليهودية، طالما كان ذلك لتثبيت شرعية شعبية يبحث عنها طغاة لا شرعية لهم كنظام الملالي وأنظمة العسكر العربي التي حكمت في المنطقة.
لكن أن يُحاول الحرس الثوري ترجمة تلك الشعارات على الأرض وبشكل لا يكون تحرّشات أو احتكاكات يمكن السيطرة عليها، بل عمليات منظمة ومدروسة ضمن استراتيجية معتمدة للنيل من الكيان الإسرائيلي، وعملياً حدث ذلك في طوفان الأقصى 2023 وما تلاه من حروب مع حزب الله ثم مع إيران نفسها، وبعد ضرب إيران لعمق إسرائيل بالصواريخ البالستية، والتي يمكنها يوماً ما أن تحمل قنابل نووية، فهذا ذنب أو خطيئة لا يمكن غفرانها.
لذلك لن تقف الحرب على إيران من قبل الولايات المتحدة والغرب عموماً والرأسمال اليهودي العالمي النافذ قبل إسقاط من تجرّأ على ذلك، وجعله عبرة لمن يُفكر يوماً ما بإعادة ذلك.
2- أمن الطاقة العالمي وسلاسل التوريد وضمان خطوط التجارة العالمية
كان الاتفاق الشهير في بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية وخروج الولايات المتحدة كقوة عظمى وتحطم الإمبراطوريات السابقة وتحوّل بعضها إلى دول كبرى تدور في الفلك الأمريكي (كبريطانيا وفرنسا مثلاً). عرضت الولايات المتحدة رؤيتها للعالم ما بعد الحرب، وهي التعامل بالدولار الأمريكي كعملة عالمية يتم به التسعير والتداول ضمن المنظومة المالية الأمريكية، والتصدي للنفوذ الشيوعي، ومقابل ذلك تضمن الولايات المتحدة حماية حلفائها وحماية البحار والمضائق البحرية وضمان انسيابية حركة التجارة العالمية، وبالتالي انتفاء الحاجة لاستعمار دول الموارد الأولية، وصرف موارد تلك الدول الخارجة من الحرب على النواحي المدنية وعدم بناء قوى عسكرية كبيرة، لأن مهمة الأمن والدفاع ستقع على عاتق الولايات المتحدة، والتي تصرف ميزانيات هائلة على بناء قدرات عسكرية والحفاظ على التفوق على أي عدو حالي أو محتمل.
وجرت الأمور هكذا واعتاد العالم على النظام الدولي الذي تقوده أمريكا، مع كل العيوب التي يحملها هذا النظام، وذلك لعدم وجود نظام آخر أو سماح الولايات المتحدة ببروز أي قوة منافسة لها. وعندما بدأت روسيا البوتينية بالتعافي والتطلّع للمشاركة بالقرار الدولي، تم استفزازها وإدخالها في حرب تدور رحاها إلى الآن، وهي في العام الخامس ولا نهاية قريبة لها، فيما تحشد الولايات المتحدة جهودها لتطويق الصين ومنع تحولها لقطب منافس.
أما أن تجرؤ إيران على تحدي سيادة الولايات المتحدة على الممرات المائية باستغلالها لعامل الجغرافيا في هرمز وباب المندب، وإظهار أن الولايات المتحدة عاجزة عن فتح الخليج العربي، وبالتالي إضعاف هيبة الولايات المتحدة عالمياً وطردها من منطقة الشرق الأوسط قلب العالم ومركز الثروات والممرات المائية، وتقديم ذلك هدية للصين أو روسيا، فهذا لا أعتقد أن أي سياسي أمريكي سواء كان جمهورياً أو ديمقراطياً ممكن أن يقبل به.
لذلك لن توفر الولايات المتحدة أي جهد في سبيل هزيمة إيران بشكل كامل، وهذا يعني تغيير نظام الحكم وعدم الوصول معه لأي اتفاق، مهما أخذ هذا الهدف من وقت وموارد، وبغض النظر عمن يجلس في البيت الأبيض سواء أكان جمهورياً أم ديمقراطياً.