
لا دولة بلا عدالة: المحاكمات التي تحدد مستقبل سوريا
في الأيام الأخيرة، تابع السوريون مشاهد لم يتخيل كثيرون أنهم سيرونها يوماً. وجوه كانت لسنوات ترمز إلى السلطة المطلقة، أصبحت تقف بثوبها المخطط أمام العدالة. أحمد حسون، وعاطف نجيب، ووسيم الأسد، وغيرهم، لم يعودوا أسماءً بعيدة عن المساءلة.
لم تكن ردود فعل السوريين مفاجئة. امتلأت وسائل التواصل بالتعليقات الساخرة والنكات والعبارات التي تعكس قدراً كبيراً من التشفي. قد يبدو ذلك قاسياً، لكنه في جانب منه تعبير عن تراكم سنوات طويلة من القهر والعجز، حين كان مجرد انتقاد مسؤول قد يكلف الإنسان حريته أو حياته. واليوم، يشعر كثيرون أن عجلة العدالة بدأت تتحرك، ولو ببطء.
لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة للانتقام، ولا إلى محاكمات رمزية تكتفي ببضعة أسماء معروفة. قيمتها الحقيقية تكمن في أنها تطال كل من ارتكب جريمة بحق السوريين، مهما كان موقعه أو صفته أو الجهة التي ينتمي إليها. فالضحايا لا يميزون بين مسؤول كبير وآخر صغير، ولا بين من حمل رتبة عسكرية أو ارتدى ثوباً دينياً أو مارس نفوذه السياسي. الجريمة تبقى جريمة، وحق الضحية يبقى حقاً.
ومن المهم أيضاً ألا تتحول المصالحات التي جرت خلال السنة الماضية إلى وسيلة لإغلاق ملفات الجرائم الجسيمة. فهناك حقوق شخصية قد يتنازل عنها أصحابها، لكن هناك حقوقاً عامة وحقوقاً للضحايا وللمجتمع كله، لا يملك أحد إسقاطها أو التصرف بها. فجرائم التعذيب والقتل والإخفاء القسري والانتهاكات الواسعة ليست خلافات فردية يمكن أن تنتهي بمصافحة، بل هي قضايا تمس المجتمع والدولة وسيادة القانون. ومن اختار المصالحة السياسية أو الإدارية لا ينبغي أن تُفهم مصالحته على أنها إعفاء من المسؤولية الجنائية إذا ثبت تورطه في جرائم بحق الناس.
لقد أثبتت تجارب دول خرجت من الحروب والانقسامات، مثل جنوب أفريقيا ورواندا والأرجنتين، أن العدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً، بل هي الجسر الذي تعبر عليه المجتمعات من الصراع إلى الاستقرار. صحيح أن لكل دولة تجربتها الخاصة، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً كان الاعتراف بحقوق الضحايا، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، بعيداً عن الانتقام وبعيداً أيضاً عن الإفلات من العقاب. فالتسويات السياسية قد تنهي القتال، لكنها لا تنهي آثار الجريمة إذا بقيت بلا محاسبة.
لقد مضى على المرحلة الانتقالية نحو عام ونصف، ويرى كثير من السوريين أن ملف المحاسبة تأخر أكثر مما ينبغي. لكن التأخر، مهما كان مبرره، لا يعني أن الفرصة ضاعت. فما زال بالإمكان تدارك ذلك من خلال بناء مسار قضائي مهني وعادل، بعيداً عن الانتقائية أو تصفية الحسابات، يطمئن الضحايا ويمنح المتهمين في الوقت نفسه حق الدفاع والمحاكمة العادلة. فالعدالة الانتقالية الحقيقية لا تنتقي خصوم الأمس، بل تلاحق كل من تلطخت يداه بالدم أو التعذيب أو الفساد.
إن نجاح هذه المحاكمات لن يقاس بعدد الأحكام الصادرة، بل بقدرة الدولة على إقناع السوريين بأن العدالة أصبحت قاعدة لا استثناء، وأن أحداً لن يكون فوق القانون بعد اليوم. فهذا هو الأساس الذي يمكن أن يعيد الثقة بين المواطن والدولة، ويغلق باب الثأر الفردي، ويفتح باب المصالحة الحقيقية. فالمصالحة لا تُبنى على النسيان، بل على الاعتراف والإنصاف وسيادة القانون.
السلطة الانتقالية اليوم أمام أهم اختبار منذ تسلمها المسؤولية. فنجاحها لن يقاس فقط بتحسين الاقتصاد أو استعادة الخدمات، بل بقدرتها على بناء منظومة عدالة انتقالية حقيقية. فالمحاسبة ليست مجرد استجابة لمطلب شعبي، بل هي الأساس الأخلاقي والقانوني الذي يمنح أي سلطة شرعيتها.